32
92935 / 63000 XP
ΛƆЄ

ΛƆЄ

@1D
0Siguiendo 344Seguidores
0Contribuciones

تتفاعل دون قراءة؟
إعجابك الأعمى لا قيمة له،
لا تترك أثرًا بلا فهم، ولن أُبالي.

أنضم في 3 نوفمبر، 2024
Se unió el 3 nov 2024
📖 !(كليلة ودمنة) – زُبدة الكتاب ومعلوماته ✦ ما هو؟ كتاب من أروع كتب الأدب العالمي، يقدّم حِكمًا ودروسًا أخلاقية وسياسية في صورة قصص على ألسنة الحيوانات. ✦ أصل الكتاب ألّفه الحكيم الهندي بيدبا لينصح الملك دبشليم. تُرجم أولًا إلى الفارسية، ثم نقله إلى العربية ابن المقفع في القرن الثاني الهجري. ✦ محتواه يتكوّن من مقدمة و 12 بابًا وخاتمة. من أشهر أبوابه: ▫️🦁🐂 الأسد والثور (عن الحسد والمكائد) ▫️🦉🐦 البوم والغربان (عن الحرب والخديعة) ▫️ 👤🐾 الناسِك وابن عرس (عن العجلة وسوء الظن). ✦ !(أهميته) ليس للتسلية فقط، بل مدرسة في: 🔹الحكمة والتدبير 🔹 تجنب الظلم والحسد 🔹 فن النصح للملوك بطريقة غير مباشرة ✨ الخلاصة : "!(كليلة ودمنة)" كتاب قصص صغير في حجمه، لكنه عظيم في معانيه، أثّر في أدب الشرق والغرب، وبقي شاهدًا على عبقرية السرد الرمزي في نقل الحكمة عبر العصور. !(الكتاب منقول في هذا الهاشتاق)👈 #1D @1D
9
خـاتـمـة الكـتاب فلما انتهى الملك والفيلسوف إلى باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين سكت الملك وقال الفيلسوف: عشت أيها الملك ألف سنة وملّكت الأقاليم السبعة وأعيطت من كل شيء سبباً وبلغة منك في السرور برعيّتك ومنهم قرة عين بك ومساعة من القضاء والقدر، فإنك قد كمل فيك الحلم وذكا منك العقل والحفظ وتم فيك البأس والجود، واتفق منك العقل والقول والنية، ولا يوجد في رأيك نقص ولا في قولك سقط ولا في فعلك عيب، وجمعت النجدة واللين فلا توجد جباناً عند اللقاء ولا ضيّق الصدر بما يوثق بك من الأشياء. وقد شرحت لك الأمور ولخصت لك جواب ما سألتني عنه منها. واجتهدت لك في رأيي ونظري ومبلغ فطنتي التماس قضاء حاجتك. فاقض حقي بحسن النية بإعمال فكرك وكرم طبيعتك وعقلك فيما وصفت لك. إنه ليس الآمر بالخير بأسعد به من المطيع له فيه. ولا الناصح باولى بالنصيحة من المنصوح له بها. ولا المتعلم بأبعد من العلم ممن يعلمه. ومن تدبر هذا الكتاب بعقله وأعمل فيه رأيه بأصالة من فكرته كان قمناً للمراتب العظام والأمور الجسام مع مساعدة القدر ووقته إذا حضر فلا يسأم أمراً ويكف عن النظر فيه والتدبر له. والله يوفقك أيها الملك ويسددك ويصلح منك ما كان فاسداً ويسكن من غرب حدتك ما كان حاداً، وتسليم الرحمة على أرواحك وأرواح آبائك الطاهرين الماضين معشر أهل بيت العقل والأدب والفضل والجود والكرم. @1D #1D
7
ثم إن الملك أتى مجلسه فقعد على سريره وأرسل إلى أصحابه فأتوه فموّلهم وأغناهم. ثم جمع عمّاله وأهل الفضل وذوي الرأي من أهل مملكته فقال: أما أصحابي فقد استيقنوا أن الذي رزقهم الله من الخير إنما كان بما أتوه بفضل عقلهم وجمالهم ونشاطهم. وأما أنا فإن الذي منحني الله وهيّأه لي لم يكن من الجمال ولا العقل ولا الاجتهاد وإنما كان يحكمه تعالى وقضائه. وما كنت أرجو إذ طردني أخي وجفاني أن أصيب هذه المنزلة ولا أكون بها لأني قد رأيت من أهل هذه الأرض من هو أفضل مني جمالاً وحسناً وعلمت أن فيها من هو أكمل مني رأياً وأشد مني اجتهاداً. فساقني الله وقضاؤه إلى أن اغتربت فملكت أمراً قد علمه الله وقدّره وقد كنت راضياً أن أعيش بحال خشونة وشظف معيشة. فقام شيخ كان في أرضهم فقال: أيها الملك إنك قد تكلمت بحلم وعقل ورأي حسن ظناً بك ورجاؤنا فيك وعرفنا ما ذكرت وصدّقناك بما وصفت وعلمنا أنك قد كنت لما ساق الله إليك من ذاك أهلاً بفضل قسمته عندك وتتابع نعمته عليك. فإن أسعد الناس في الدنيا والآخرة أولاهما بالسرور فيها من رزقه الله ما رزقك وجعل عنده مثل الذي جعل عندك. وقد أرانا الله الذي نحب إذ ملّكك علينا وقلّدك أمرنا فنحمد الله على ما أكرمنا به من ذلك وامتنّ علينا فيه. ثم قام شيخ آخر فحمد الله وأثنى عليه ومجّده وذكر آلاءه وقال: إيها الملك إني قد كنت وأنا غلام قبل أن أسيح في الأرض أخدم رجلاً من الناس. فلما بدا لي أن أرفض الدنيا فارقته. وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين فأردت أن أتصدّق بأحدهما وأستنفق الآخر، فقلت: أليس أعظم لآخرتي أن أشتري نفساً بدينار فأعتقها لوجه الله. فأتيت السوق فوجدت مع صياد حمامتين فساومته فطلب بهما دينارين فجهدت على أن يعطيهما بدينار فأبى ذلك فقلت: لعلهما أن يكون زوجين أو أخوين فأخاف إن أعتقت أحدهما أن يموت الآخر. فابتعتهما منه بالثمن الذي سمّى. وأشفقت أن يطيرا مما لقيا من الجهد والهزال. فذهبت بهما إلى مكان كثير الرعي فسرّحتهما فطارا فوقعا على شجرة. ثم شكرا في وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلّصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه وإنا لخليقان أن نجازيه بفعله. ثم قالا لي: لأنك قد أتيت إلينا بما نحن أهل أن نشكرك به ونعرفه لك فاعلم أن في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير فخذها. فأتيت الشجرة وأنا في شك مما قالا لي، فلم أحفر إلا قليلاً حتى انتهيت إليها فاستخرجتها ودعوت الله لهما بالعافية وقلت لهما: إذا كان عملكما هذا العلم بما تحت الأرض وأنتما تطيران بين السماء والأرض فكيف وقعتما في هذه الورطة التي أنجيتكما منها؟ قالا: أما تعلم أيها العاقل أن القدر إذا نزل أغشى البصر. والقدر يغلب كل شيء ولا يستطيع أحد أن يجاوزه. ثم قال الفيلسوف للملك: ليعرف أهل النظر أن الأمور والعلم بها أن الأشياء كلها بقضاء #1D @1D
9
باب ابن الملك وابن الشريف وابن التاجر وابن الأكّار قال الملك: قد فهمت ما ذكرت مما يحق على الملك في التوخي لمعروفه ليضعه عند أهل الشكر قربوا أو بعدوا، فأخبرني ما بال الجاهل والسفيه يصيبان الرفعة والشرف والخير العظيم، والرجل الحكيم العليم يلحقه البلاء والجهد والغرم الثقيل. قال الفيلسوف: كما أن الرجل لا يبصر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه فكذلك العلم إنما تمامه بالحلم والعقل والتثبيت. غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك، كما نرى أحياناً البصير يعثر والضرير يسلم. ومثل ذلك مثل ابن الملك الذي ربي على باب مدينة يقال لها مطون جالساً، وثم كتب عليه بعد أن تم أمره “إن العقل والجمال والاجتهاد والقوة وما سوى ذلك فإنما ملاكه القضاء والقدر”. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أن أربعة نفر اصطحبوا، أحدهم ابن الملك والثاني ابن الشريف والثالث ابن تارجر والرابع ابن أكّار، وكانوا جميعاً محتاجين وقد أصابهم ضرّ وجهد لا يملكون شيئاً إلا ما عليهم من ثيابهم. فبينما هم يمشون إذ قال ابن الملك: إن أمر الدنيا كله بالقضاء والقدر وانتظارهما أفضل الأمور. قال ابن التاجر: بل العقل أفضل من كل شيء. قال ابن الشريف: الجمال خيرٌ مما ذكرتم. قال ابن الأكّار: الاجتهاد أفضل من ذلك كله. ثم مضوا نحو مدينة يقال لها مطون. فلما انتهوا إليها أقاموا في ناحية منها وقالوا لابن الأكار: انطلق فاكتسب لنا باجتهادك طعاماً ليومنا هذا. فانطلق فسأل: أي عمله إذا عمله الرجل من غدوّه إلى الليل به ما يشبع أربعة نفع؟ فقيل له: ليس شيء بأعز من الحطب. وكان على رأس فراسخ منها فتوجه إليه فحمل حملاً من الحطب الجزل فباعه بنصف درهم ثم اشترى به ما يصلح أصحابه، وكتب على باب المدينة: “إجتهاد يوم واحد يبلغ ثمنه نصف درهم”، وأتاهم بما اشترى فأصابوا منه وأكلوا. فلما أصبحوا قالوا لابن الشريف: انطلق بجمالك فاكتسب بعض ما يوقتنا. فانطلق وتفكّر في نفسه وقال: لست أحسن من الأعمال شيئاً، وأستحي أن أرجع إلى أصحابي بغير طعام، فهمّ أن يفارقهم فأسند ظهره إلى شجرة في المدينة من الهم. فمر عليه مصوّر فأعجبه جماله فأرسل إليه خادمه فأتى به وأدخله داره ثم أمر فنظّف وظل معه يومه ذلك وأخذ رسمه ليعرض صورته على أهل المدينة. فلما كان عند المساء أجازه بخمس مائة دينار، فتوجه إلى أصحابه وكتب على باب المدينة: “جمال يوم واحد ثمنه خمسة مائة دينار”. فلما أصبحوا قالوا لابن التاجر: انطلق أنت فاكتسب لنا بعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئاً. فذهب فلم يبرح إلا قليلاً حتى أبصر سفينة عظيمة في البحر قد أرست إلى الشط غير بعيدة من المدينة فخرج إليها أناس ليبتاعوا ما فيها فساوموا أصحابها فوجدوا ثمنها غالياً، ثم قال بعضهم لبعض: فلننصرف اليوم دون أن نبتاع منها شيئاً حتى تكسد البضاعة على أصحاب السفينة فيرخّصوا علينا. ففعلوا ذلك فخالف إليها ابن التاجر فاشترى منهم ما كان فيها بمائة ألف دينار. فلما بلغ التجار ما فعل أتوه فأربحوه مائة ألف دينار. فانتقدها وأحال بائعه عليهم ورجع إلى أصحابه. فلما مرّ بباب المدينة كتب عليه: “عقل يوم واحد ثمنه مائة ألف درهم”. فتمتعوا بما أصابوا وأخصبوا. فلما أصبحوا في اليوم الرابع قالوا لابن الملك: انطلق فاكتسب لنا شيئاً بالقضاء والقدر. فذهب حتى أتى باب المدينة فجلس على دكان من دكاكين باب المدينة فقضي أن ملكها هلك ولم يترك ولداً ولا أخاً ولا ذوي قرابة. فمروا عليهب جنازة الملك فبصروا به لا يتحرّك ولا يتحاشى ولا يحزن لموت الملك. فسأله البواب: من أنت؟ وما يقعدك على باب المدينة ولا يحزنك موت الملك؟ فلم يجبه فشتمه وطرده، فلما مضوا رجع إلى مكانه. ثم انصرفوا من دفن الملك فبصر به البواب وقال له بغضب: ألم أنهك عن هذا المجلس؟ وتقدم إليه فأخذه وحبسه. فلما اجتمعوا في الغد ليملّكوا عليهم رجلاً يختارونه قام الذي كان ألقى الفتى بالحبس فحدثم بقصته فقال: إنت رأيت أمس غلاماص جالساً على الباب ولم أره يحزن لحزننا وتلوح عليه لوائح العزة والشرف، كلمته فلم يجبني فألقيته بالحبس وإني أتخوف أن يكون عيناً علينا فابعثوا إليه. فأتوا به فسألوه من هو وما أمره وما الذي أقدمه أرضهم. قال: “أنا صهر ملك قروناد. توفي والدي فغلبني أخي على الملك وأنا أكبر منه فهربت منه حذراً على نفسي حتى انتهيت إليك”. فلما سمعوا ذلك منه لم يتحققوا صدق كلامه حتى عرفه بعض من كان منهم يغشى بلاد أبيه. فأثنوا عليه وملّكوه عليهم وقلّدوه أمرهمز وكانت سنتهم الطواف لمن ولّوه عليهم فحملوه على فيل وأجالوا به. فلما مرّ بباب المدينة بصر بما كتب عليه أصحابه فأمر أن يكتب: “الاجتهاد والعقل والعمل وما أصاب الانسان من خير أو شرّ يجري بقضاء الله وحكمه. إعتبر ذلك بما ساق إليّ من الخير والسعادة بفضله”. @1D #1D
7
باب الناسك والضيف قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من امرئ كف عن ضر غيره لضر يصيبه أو بلية تدخل عليه، فأخبرني إن رأيت عن من يدع عمله الذي يليق به ويشاكله ويطلب سواه فلا يدركه فراجع الذي كان في يده فلا يقدر عليه فيبقى حيران متردداً. قال الفيلسوف: زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك مجتهد فنزل به ضيف ذات يوم فدعا بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعاً. ثم إن الضيف قال: ما أحلى هذا الثمر وأطيبه وليس في بلادي التي أسكنها نخل وبودي أن آخذ منه فأغرسه في أرضنا. قال الناسك: ليس لك في ذلك كبير منفعة، ولعل النخل لا يوافق أرضكم. وبلادكم كثيرة الأثمار مع وخامة التمر وقلة موافقته للجسد. ثم قال له الناسك: إنه لا يعد سعيداً من احتاج إلى ما لا يجد وليس بمعذور عليه فتشره لذلك نفسه ويقل عنه صبره ويصل إليه من ثقل ذلك واغتنامه ما يضرّه ويدله على المشقة عليه. وإنك أنت لعظيم الجد وجزيل الحظ لو قنعت بما رزقت وزهدت فيما لا تظفر به ولا تدرك طلبتك منه. فقال الضيف: وفقت ورشدت وقد سمعت منك كلاماً غريباً أعجبني واستحسنته. فلو علمتنيه فإن لي فيه رغبة وفي علمه حرصاً. فقال الناسك: ما أخلقك أن تقع بما تركت من كلامك وتكلفت من كلام العربانية في مثل ما أصاب الغراب. قال الضيف: وكيف كان ذلك؟ قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى مرة حجلة تمشي فأعجبته مشيتها وطمع في تعلّمها وراض نفسه عليها فلم يقدر على إحكامها. فانصرف إلى مشيته التي كان عليها فإذا هو قد نسيها فصار حيران مترددا لم يردك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه فصار أقبح الطير مشياً. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إذ تركت لسانك الذي طبعت عليه وتكلفت عليه وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركه وتنسى الذي كان في يديك من غيره. فإنه قد قيل: “يعد جاهلاً من حاول من الأمور ما لا يشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أجداده من قبله ولم يعرفوا به قبلاً”. قال الفيلسوف للملك: إن الولاة في قلة تعاهدهم الرعية في هذا وأشباهه اليوم أسوأ تدبيراً لانتقال الناس من بعض المنازل إلى بعض وتركهم منها ما قد لزموه وجرت لهم المعايش فيه من قبل الملوك، والتماس أهل الطبقة السفلى مراتب الطبقة العليا وانتشار الأمور وفساد الأدب ومنازعة اللئيم للكريم. ثم الأشياء تجري على مثال ذلك حتى تنتهي إلى الخطر العظيم الجسيم من مزاحمة الملك في ملكه ومضادّته فيه. @1D #1D
7
“فاعلم أن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرة ما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوك يحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لم يأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلى اختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار، فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلم أنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعام جندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنه لم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذا أصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيه اجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسك ولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامة والولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهم وأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك على هواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراً ولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحاب هذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان”. فبينما أم الأسد في كلامها إذ دخل على الملك بعض ثقاته فأطلع الأسد على براءة ابن آوى. فلما علمت أم الأسد أن الأسد قد وقف على براءة ابن آوى قالت: “أما وقد اطلعت على جرأة أصحابك وتعاونهم عليه فلا ترضينّ بذلك منهم ولا تدعنّ تشتيت ذات بينهم حتى تقطع منك الشفة عليهم. فلا يتخذوك مركباً فتعوّدهم الاحتمال على ضرك بوشهيم. ولا تغترّنّ بسلطانك فيدعوك ذلك إلى استصغارهم والتهاون بأمرهم. فإن الحشيش الضعيف إذا جمع فقتل صار منه الحبل القوي الذي يوثق به الفيل الشديد. “وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولا يؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أن يتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناس في ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أن تقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمال للأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع من وصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتمل مكروهاً إن كان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر في جميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته”. فدعا الأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقال ابن آوى: “إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء وقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبته وولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحق من نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشره أو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألا يسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم في بادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناع الملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودة أعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألا يتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملك ذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتي وسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بي وحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب”. قال الأسد: إني قد بلوت طبائعك وأخلاقك، فمنزلتك في نفسي منزلة الكرماء الأخيار. والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان ألف خلّة من الإساءة، واللئيم تنسيه خلة واحدة من الإساءة ألف خلة من الإحسان. فأنا واثق بك أنه سينسيك ما سلف من إحساننا إليك الذي فرط منا في أمرك وقد عدنا إلى الثقة بك فعد إلى الثقة بنا وبما قبلنا فإنه لك في ذل غبطة وسرور. فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيام تزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك. فهذا باب وزراء السلطان وأعوانه وقرائبه. @1D #1D
7
قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك. قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً. قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله. قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة. قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه. قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له. قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟ قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم. قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة. قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب. قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه. قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان. قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه. فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟ فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك. فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً. فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب. فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه. قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته. قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه. ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل. فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟ فأخبرها الأسد بالأمر. قالت: “عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت من الملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلب عظيم الضرر والعيب. “وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه. @1D #1D
9
باب الأسد والشعهر الصوّام قال الملك للفيلسوف: قد فهم مثل أهل الترات وحذر بعضهم بعضاً فاضرب لي إن رأيت مثل الملوك فيما بينهم وبين قرائبهم، وفي مراجعة من تراجع منهم بعد عقوبة أو جفوة تكون عن ذنب يذنبه أو ظلم يظلمه. قال الفيلسوف: إن الملك إذا لم يراجع من أصابته جفوة أو عقوبة عن جرم اجترمه أو ظلم ظلمه أضرّ ذلك بالأمور والأعمال. وكان الملك حقيقاً بالنظر في حال من ابتلي بشيء من ذلك ويبلو ما عنده من العناء والذي يرجو منه النفع. فإن كان ممن يستعان به ويوثق برأيه وأمانته كان الملك حقيقاً بالحرص على مراجعته. فإن الملك لا يستطاع إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينتفع بالوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة. ولا تصلح النصيحة والمودة إلا مع إصابة الرأي والعفاف الكثير. ومن يحتاج إليهم من العمال والأعمال كثير. ومن يجمع منهم الذي ذكرت من النصيحة وإصابة الرأي قليل. وإنما التمسك بالوجه الذي به يستقيم العمل أن يكون الملك عالماً من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل منهم من الغناء والرأي، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عنده من علمه أو علم من يؤتمن به وعمل ما يستقيم به وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده من الأمانة والنجدة والرأي ما يستقل بذلك، وإن الذي فيه من العيب لا يضرّ بذلك العمل. ويتحفّظ من أن يوجه عيوبه وعاقبة ما يكره منه. ثم على الملك بعد ذلك ألا يترك تعاهد عمّاله والتفقد لهم ولأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك تهاون المحسن وجترأ المسيء ففسد الأمر وضاع العمل. ومثل ذلك مثل الأسد والشعهر وهو ابن آوى. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا ابن آوى وكان متألّهاً متعففاً في بنات آوى وثعالب وذئاب. ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير كما يغرن ولا يريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمته تلك السباع وقلن: لا نرضى بسيرتك ولا رأيك الذي أنت عليه من تألهك مع أن تألهك لا يغني شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون أحدنا فتسعى معنا وتفعل فعلنا. فما الذي يمسك كفك عن الدماء واللحم؟ قال ابن آوى: إن صحبتي إياكم لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً وصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثم ومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولا عمل لأني أعرف ثمرة الأعمال. فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسك والنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذي بلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنك عقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتك إلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة. قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوة وبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابوا من ذلك. قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك من العمل. قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانع ينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبة السلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنه يجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك. قال الملك: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بك في الكرامة والإحسان بهمتك. قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسان والكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب. @1D #1D
7
فلما سمع الملك أن إيراخت أم جوبر هي حية اشتد فرحه وقال لإيلاذ: إنه كان يمنعني من الغضب عليك ما علمت من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بحلمك ألا تكون قتلك إيراخت. فإنها تفعل ذلك لعداوة ولا لطلب مضرّة لكنها فعلت لغيرة. وكان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأحتلمه ولا أغضب لأن يعرفت أن الذنب كان لي، وإن كنت مستيقناً أنك تعلم أني لم آمرك بما أمرتك فيها من القتل إلا وأنا نادم على ما أمرتك، لكنك أردت أن تجرّب الملك أو تتركه في شكّ وخفت أن أعاقبلك إن قلت “لم أقتلها”. ومعاذ الله أن يكون ذلك رأي وأن أكون فاعلاً ذلك بك. ولكن لك حق شاكر فانطلق فأتني بإيراخت وارددها عليّ. فخرج إيلاذ من عند الملك وأمر إيراخت أن تتزين وتلبس ثيابها ففعلت ذلك. ثم انطلق بها إلى الملك فدخلت عليه وقبّلت رأسه. فلما رآها اشتد فرحه وقال: افعلي ما أحببت فلا أصرف هواك عن شيء. قال إيراخت: أدامالله ملككم إلى الأبد فكيف لولا رأفتكم وسعة أحلامكم تندمون على ما كان منكم في أمري هذه الندامة. فإنكم لو لم تذكروني آخر الأبد لكنت لذلك أهلاً للذي كان مني حتى أمر الملك بقتلي. وبرأفتكم شرككم إيلاذ في كفه عن قتلي. ولولا ثقة إيلاذ بسعة أحلامكم مع رأفته وعدله ووفائه لأنفذ ذلك الأمر وأهلكني. قال الملك لإيلاذ: إنك قد اصطنعت عندي ما وجب به شكرك ولما لم يره ملك من عبيده لم يصطنع إليّ أمر أعظم عندي من أنك لم تقتل إيراخت، بل أحييتها بعد ما قتلتها أنا فوهبتها إليّ اليوم ورددتها عليّ فلم أكن قطّ أرضى عنك مني اليوم. قال إيلاذ: أنا عبدك وحاجتي اليوم ألا تعجل بعدها في الأمر العظيم الذي يندم عليه وتكون عاقبته الهم والحزن كما رأيت، ولا سيما في أمر هذه التي لا يوجد لها في الأرض شبيه. قال الملك: لحقنا قلت يا إيلاذ وقد قبلت قولك في كل ما أمرت به فيكف في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد مرّ بي. فإني لست عاملاً بعده صغيراً ولا كبيراً إلا بعد المؤامرة والنظر والتؤدة. ثم إن الملك أعطى تلك الثياب إيراخت ودخل معها إلى مكان نسائه فرحاً مسروراً. ثم ائتمر بعد ذلك هو وإيلاذ في قتل أولئك البراهمة الذين أرادوا هلاك حشم الملك وأهله فقتلوا ونهبوا ونفوا من الأرض. وقرّت أعين عظماء أهل مملكته وحمد الله وأثنى عليه وشكر لكنان أبزون فضل علمه وسعة حلمه لأن بعلمه كان خلاص الملك وزوجته وولده والوزراء الصالحين الذين هم أحب الخلق إليه. فهذا باب الحلم والعقل والأدب. @1D #1D
10
قال الملك: إن ك لغير عاقل يا إيلاذ. قال إيلاذ: ثلاثة لا ينبغي لهم أن يعدوا من ذوي العقل: الإسكاف الذي يجلس على المكان المرتفع فإذا تدحرج شفاره أو شيء من أداته شغله عن كثير من عمله، والخياط الذي يطيل خيطه فإذا تعقّد شغله عن كثير من عمله، والذي يقص أشعار الناس ويلتفت يميناً وشمالاً فيفسد شعورهم فيستوجب بما أذنب العقوبة. قال الملك: كأنك تريد يا إيلاذ أن تعلم الناس كلهم حتى يمهروا مثلك فتريد أن تعلمني حتى أكون ماهراً. قال إيلاذ: ثلاثة زعموا أهم قد مهروا وينبغي أن يتعلموا: الذي يضرب بالصنج والعود والطبل ولا يوافق المزمار وسائر الألحان، والمصور الذي يحسن خط التصاوير ولا يحسن خلط الأصباغ، والذي يزعم أنه ليس محتاجاً إلى علم شيء من الأعمال وأنه بالأعمال والصناعات كلها عالم ولا يبصر غور الكلام وكيف هو وفي أي ساعة له أن يكلم من هو فوقه ومن هو دونه. قال الملك: لم تعمل بحق إذا قتلت إيراخت. قال إيلاذ: أربعة يعملون بغير حق: الذي لا يصدق لسانه ولا يحفظ قوله، والسريع في الأكل والبطيء في العمل وخدمة من فوقه، والذي لا يستطيع أن يسكن غضبه قبل خزي الذنب، والملك الذي يهمّ بالأمر العظيم ثم يتركه. قال الملك: لو علمت بسنّتي لم تقتل إيراخت. قال إيلاذ: أربعة يعملون بسنة: الذي يصنع الطعام لحينه ويهيّئه فيقدمه لسيده لأوانه، والذي يرضى بامرأة واحدة ويصرف نظره عن ساء غيره ممن لا يحل له، والملك الذي يعمل الأمر العظيم بمشاورة العلماء، والرجل الذي يقهر غضبه. قال الملك: لقد عدمت الخير يا إيلاذ. قال إيلاذ: أربعة هم الذي عدموا الخير: المملوء جسمه ظلماً وإثماً، والخسيع المعجب بنفسه، والذي قد تعوّد السرقة، والسريع الغضب البطيء الرضا. قال الملك: ما ينبغي لنا أن نثق بك يا إيلاذ. قال إيلاذ: أربعة لا يوثق بهم: الحية الماردة، وكل سبع مخوف من الحيوان، والأثمة الفجار، والجسد الذي قضي عليه بالموت. قال الملك: إن ذوي الكرم من الناس لا ينبغي لهم أن يضاحكوا ولا يلاعبوا. قال إيلاذ: أربعة لا ينبغي لهم أن يضاحكوا ولا يلاعبوا: الملك العظيم السلطان، والناسك المتعبد، والرجل الساحر الخسيع، واللئيم الخلق الشره الطبيعة. قال الملك: ما ينبغي لنا مخالطتك يا إيلاذ بعد قتلك إيراخت. قال إيلاذ: أربعة لا يخالط بعضهم بعضاَ: الليل والنهار، والبر والفاجر، والنور والظلمة، والخير والشر. قال الملك: ما ينبغي لأحد أن يثق بك يا إيلاذ أبداً. قال إيلاذ: أربعة لا يوثق بهم: اللص والكذوب والمذّاق والحقود المتسلط. قال الملك: لم يصبني حزن كحزني على إيراخت. قال إيلاذ: خمس من النساء ينبغي أن يحزن عليهن: الكريمة الحسب ذات الشرف العظيم، والعاقلة اللينة العالمة، والحليمة الطاهرة الجيب، والحصان الميمونة الطائر، والمؤاتية لبعلها الراضية المتحننة عليه. قال الملك: من ردّ عليّ إيراخت حية فله عندي من المال ما أحب. قال إيلاذ: خسمة المال أحب إليهم من أنفسهم: الذي يقاتل بالأجرة لا نية له في القتال إلا إصابة أجرته، واللص الذي ينقب البيوت ويقطع الطريق فتقطع يداه أو يقتل، والتاجر الذي يركب البحر يطلب جمع المال، وصاحب السجن الذي مُناه أن يكثر أهل سجنه ليصيب منهم، والمرتشي في الحكم. قال الملك: قد أثبتّ في نفسي عليك حقداً بقتلك إيراخت يا إيلاذ. قال إيلاذ: أربعة الحقد بينهم ثابت: الذئب والخروف، السنور والفأرة، البازي والدُّرّاج، والبوم والغراب. قال الملك: ليس تأخذني سنة ولا نوم من حزني على إيراخت. قال الملك: لقد كرهت قتل إيراخت. قال إيلاذ: سبعة أشياء مكروهة: الشيخوخة التي تسلب الشباب البهاء، والوجع الذي ينحل الجسم وينزف الدم، والغضب الذي يفسد علم العلماء وحكم الحكماء، والهمّ الذي ينقص العقل ويسلّ الجسم، والبرد الذي يضرّ، والجوع والعطش اللذان يجهدان كلّ شيء ويخزيانه، والموت الذي يفسد جميع البشر. قال الملك: غبنتني وغبنت نفسك يا إيلاذ. قال إيلاذ: ثمانية يغبنون أنفسهم وغيرهم: ذو العلم القليل يتكلف أن يعلّم الناس كثيراً، والرجل العظيم ذو العقل وليس يدري فطنة، والذي يطلب ما لا يدرك ولا ينبغي له إدراكه، والبذيء الفجور الأشر العادي طوره المستغني برأيه عن مشاورة الأخلاء من أهل العقل والنصح له، وموارب الملوك والعظماء ولا حلم له ولا علم، ومطّلب العلم الذي يخاصم فيه من هو أعلم به منه ولا يقبل منه ما علّمه، ومجامل الملوك غير مانح لهم الصفاء ولا باذل للهم ودّ صدره، وملك قهرمانة وخازنه كذاب مهذار سيء الطبيعة لا يقبل الأدب من مؤدب. ثم سكت إيلاذ وعليم أن الملك قد اشتدّ حزنه على إيراخت واشتاق إلى رؤيتها، فقال له الملك: ما بالك سكتّ يا إيلاذ. قال: أيها الملك إني قد تطاولت عليك فيما امتحنتك به ما آل إليه أمرك في إيراخت. وأنا الآن حقيق بأن آتي الملك بهذه التي أحبها هذا الحب وحرص على رؤيتها أشد الحرص وحلم على عقوبتي مع طول تبصرتي إياه في أشياء كثيرة وتطرّفي له في القول. فإنه ليس في الأرض ملك مثلك ولا شبيه بك، ولا كان فيما مضى ولا يكون ذلك إلى آخر الأبد إذ لم يسلبك الغصب حلمك. وأنا مع رقّة شأني وصغر خطري أقول ما أقول ولكن لم تزل عليك السكينة والوقار مع سواك في العلم والحلم ولين الكنف لحب السلامة والخير مع جميع الناس. فإنك لكرم أصلك وسعة حلمك ملكت نفسك وصرت على ما سمعت مني مع صغر أمري ورقة شأني. فأشكر لك أيها الملك إذ لم تأمر بقتلي وها آنذا قائم بين يديك قد فعلت الذي فعلت لنصحي وحبي لك. فإن كانت دخلت هذه في معصية فإن لك الحجة والسلطان على عقوبتي وقتلي. @1D #1D
7