ΛƆЄ
@1D ·
قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك.
قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً.
قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.
قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.
قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.
قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.
قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟
قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.
قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.
قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.
قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.
قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.
قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.
فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟
فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.
فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.
فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب.
فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه.
قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.
قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.
ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل.
فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟
فأخبرها الأسد بالأمر.
قالت: “عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت من الملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلب عظيم الضرر والعيب.
“وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.
@1D
#1D

9


