19
36660 / 37000 XP
ꋪꋬꃅꏂꊰ⁶⁶ᝰ.ᐟ

ꋪꋬꃅꏂꊰ⁶⁶ᝰ.ᐟ

@Xx_R_Xx
32Following 567Followers
1.2KContributions

!(ℓ ᥣo͟v͟ꫀ ყoυ, s͟t͟ιℓℓ.)
أَرْجُو دُنُوَّكَ وَالحَيَاءُ يُقَيِّدُنِي
فَيَفْضَحُنِي صَمْتِي وَقَلْبِيَ مُولَعُ

Joined Feb 6, 2026
بضعُ كلماتٍ عنّي !(رَهَف) اسمٌ مرَّ خفيفًا على اللسان، ثم استقرّ طويلًا في الحكاية. !(مجرّد رقمين) لا أظنّ أن العمر يُجيد اختصار صاحبه؛ فبعض الأرواح أقدم من أرقامها، وبعض الحكايات لم تبدأ بعد. !(الجزائر) موطنٌ ترك في لغتي شيئًا من دفئه، وفي ذاكرتي ما يكفي لأكتب عنه دون أن أسمّيه كثيرًا. أقرب الناس إليّ @Reen_x @Alicia123 @VALLERIA ولعلّ هذا التعريف لا يقول عنّي الكثير؛ فأنا، ككل حكايةٍ لم تُختَم، أترك أجمل أجزائي للذين يعرفون كيف يقرؤون ما بين السطور.
47
!(𝑇ℎ𝑒 𝑊𝑒𝑖𝑔ℎ𝑡 𝑜𝑓 𝑆𝑖𝑙𝑒𝑛𝑡 𝐵𝑎𝑡𝑡𝑙𝑒𝑠) تَعِبْتُ أُخْفِي وَجْدَ قَلْبِي صَامِتًا وَأُجَاࢪِي فِي الدُّنْيَا هُمُومًا أَࢪْهَقَتْنِي أَمْشِي وَفِي عَيْنَيَّ لَيْلٌ مُوحِشٌ وَالصَّبْࢪُ وَحْدَهُ كُلَّ يَوْمٍ يُسَانِدُنِي لَا أَشْتَكِي لِلنَّاسِ مَا أَلْقَى مِنَ الأَذَى فَالْكِبْࢪِيَاءُ بِقَلْبِي دَائِمًا يَحْمِينِي !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
39
انكشافُ الوهم وفجأةُ البصيرة ما أَهْوَلَ أن يستيقظَ المرءُ من غفلتِه، لا ليجدَ الحقيقةَ كما توهَّمها، بل ليكتشفَ أنّه كان أسيرَ سرابٍ أحكمت نفسُه نسجَه، وأفنى في تشييدِه من عمره ما لا يُستردّ. تلك اللحظةُ التي ينفصل فيها الوعيُ عن سذاجة التصوّر، وينبثق في أعماق الروح نورٌ مُرتاب، لا يؤنس وحشتَها، بل يكشف لها فداحةَ ما كانت تستحليه من عمًى. إنّ لحظةَ الإدراك ليست استزادةً في المعرفة بقدر ما هي انهيارٌ مباغت لما استقرّ في النفس من مزاعمَ ومسلّمات؛ أن تستحيلَ الأشياءُ التي أَلِفتَها غرائب، والأوجهُ التي أَمِنتَها ألغازًا، والذكرياتُ التي اتّخذتَها مأوًى شواهدَ على خذلانك لنفسك. فتغدو الماضيات، على اختلاف صورها، مرآةً واحدةً تجبرك على النظر فيما كنت تفرّ منه: أنّك لم تكن تجهل الحقيقةَ دائمًا، بل لعلّك كنت تعرفها، ثم تؤثر عليها ما يُبقي قلبك معلّقًا بما يشتهي. وأشدّ ما يُضني المرءَ ليس انكشافُ زيف العالم، وإنّما انكشافُ زيفه أمام نفسه؛ أن يستبين له أنّه كان يتستّر بالتأنّي وهو يخشى الحسم، ويتذرّع بالوفاء وهو يستعصم بالوهم، ويسمّي انتظارَه صبرًا، مع أنّه لم يكن في جوهره إلّا إحجامًا عن التسليم بما أبت رغبتُه أن تُقرّ به. وهنا يبدأ العقاب الأكثر صمتًا: ليس أن تفقد ما أحببت، بل أن تُبصر كم من مرّة فقدت فيها شيئًا من ذاتك وأنت تظنّ أنّك تحافظ عليه. ثمّ، في غمرة هذا الانهدام الباطني، يتبيّن أنّ الوعي لا يأتي ليصالحنا مع ما حدث، بل لينزع عنّا حججنا في تأويله. فلا يعود المرء ذاك الذي كان يستجدي من الأحداث معنًى يطمئنّه، وإنّما يغدو شاهدًا على تهافت معانيه القديمة، يحمل بصيرةً أرجح من أمانيه، ويقينًا أثقل من قدرته على احتماله. ولعلّ أعظم ما تستطيعه لحظةُ الإدراك أنّها تعيد المرءَ إلى نفسه، ولكن بعد أن تنتزع منها كلّ ما كان يستعيره ليتجنّب مواجهتها. فيقف أمام ذاته عاريًا من أعاذيره، متجرّدًا من أوهامه، لا يملك أن يغيّر ما انقضى، ولا أن يستعيد البصيرةَ التي لم تكن قد وُلدت فيه بعد. ولعلّ أمضى ما تُفضي إليه لحظةُ الإدراك أن يغدو المرء غريبًا عمّا كانه، مستوحشًا ممّا كان يألفه، متبصّرًا بما لم يكن ليطيق رؤيتَه من قبل؛ فلا هو بقادر على استرداد غفلتِه، ولا هو بمستطيع أن يتخفّف من وطأة ما علم. وهكذا يدرك، متأخّرًا، وكأنّ الدهر قد تواطأ على إخفاء الحقيقة عنه، أنّ بعض البصائر محنةٌ لا مناص منها، وأنّ المعرفة، إذا انبثقت من أعماق الخيبة، لا تردّ إلى الروح سكينتَها، بل تستأصل منها آخر ما تعلّقت به من سراب؛ فيمضي، لا كمن بلغ اليقين، بل كمن فقد القدرة على تصديق أكاذيبه، وعرف أنّ أشدّ أنواع الضلال فتكًا هو ما يتزيّا للمرء بهيئة الحقيقة، حتّى إذا انكشف له زيفه، لم يجد في نفسه موضعًا يأوي إليه. !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
17
!(مَرَاثِي العَابِرِينَ) مَضَى القِطَارُ، وَفِي المَحَطَّاتِ الَّتِي خَلَتْ وُجُوهٌ تَوَارَتْ، وَأَحْلَامٌ لَهَا أَثَـرُ عَبِيرُ وَكَمْ تَرَكْنَا عَلَى أَرْصِفَةِ الأَسَى وَجَعًا عُهُودًا، كَأَنَّ الوَصْلَ فِيهَا مُقَدَّرُ قَدَرُ نُوَدِّعُ الأَيَّامَ، وَهْيَ تَسْتَلُّ مِنْ دَمِنَا بَقَايَا أَمَانٍ، وَفِي أَحْشَائِنَا ضَجَرُ مُسْتَعِرُ وَنَحْسَبُ أَنَّ الدَّهْرَ يَجْبُرُ كَسْرَنَا وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا صَمْتُ جُرْحٍ لَهُ سِتْرُ مُنْكَسِرُ فَلَا تَأْسَفِي إِنْ أَوْحَشَ الدَّرْبُ خُطْوَةً فَبَعْضُ الفَقْدِ، وَإِنْ أَدْمَى، لَهُ أَثَرُ مُدَّخَرُ !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
23
!(عروس الأوني) | 鬼の花嫁 لم تكن الآنسة يوزو شينوميه ممّن يتركون أثرًا في ذاكرة الآخرين؛ فقد عاشت في كنف عائلةٍ لم تجد في وجودها ما يستحقّ الاحتفاء، وكانت، على الرغم من انتسابها إلى بيتٍ واحد، أقرب إلى غريبةٍ أُجبرت على الإقامة فيه. أمّا أختها الصغرى، كارين، فقد نالت من الحظوة ما جعل اسمها يتردّد في المجالس مقرونًا بالإعجاب، ولا سيّما بعد أن وقع عليها اختيار أحد الأياكاشي، أولئك الذين كان البشر ينظرون إليهم بمزيجٍ من الخشية والإجلال. ولعلّ أكثر ما يُؤسف له في حياة الآنسة شينوميه أنّها لم تكن تجهل الفارق بينها وبين أختها، بل كانت تدركه تمام الإدراك، وتُحسن إخفاء ما يخلّفه في نفسها من مرارة. فقد تعلّمت، مع مرور الأعوام، ألّا تطلب ما لا يُراد منحه لها، وألّا تُظهر من الحزن ما قد يُفسَد به صفو الآخرين. وهكذا مضت أيّامها رتيبةً، لا تحمل من المفاجآت سوى خيباتٍ صغيرة، تتراكم في صدرها دون أن تجد سبيلًا إلى البوح. غير أنّ الحياة، يا للعجب، لا تستأذن المرء حين تقرّر تبديل مصيره. ففي الوقت الذي استقرّ فيه اعتقاد يوزو بأنّ نصيبها من الدنيا قد حُسم، ظهر في طريقها رجلٌ لم تكن لتجرؤ، في ظروفٍ أخرى، على رفع عينيها إليه طويلًا. كان رييا كيريووين من سلالة الأوني، ذا مكانةٍ رفيعة ونفوذٍ لا يُستهان به، وقد أحاطت به من المهابة هالةٌ جعلت اسمه وحده كافيًا لإثارة الهمس في المجالس. لم يكن ممّن يطلبون رضا الناس، ولا ممّن يضطرّون إلى تبرير اختياراتهم؛ فقد اعتاد أن يمضي فيما يريد بثبات رجلٍ لم يعرف التردّد سبيلًا إلى قلبه. ثم إنّه اختار يوزو. وليس من المبالغة القول إنّ ذلك الاختيار كان أشبه بواقعةٍ عصيّة على التصديق؛ إذ كيف لفتاةٍ اعتادت أن تكون آخر من يُلتفت إليه أن تصبح موضع اهتمام رجلٍ كهذا؟ لم تجد يوزو جوابًا، ولم تكن تملك من الجرأة ما يسمح لها بتصديق أنّ الأمر قد يحدث دون أن يعقبه ثمنٌ باهظ. أمّا رييا، فلم يُبدِ ما يدلّ على أنّه يرى في اختياره غرابةً تستحقّ النقاش؛ فقد أعلن أنّها عروسه، وكأنّه لم يفعل سوى استرداد شيءٍ كان مقدّرًا له منذ البداية. ومنذ تلك اللحظة، أخذت حياة الآنسة شينوميه منحًى لم تألفه. غادرت عالمًا ضيّقًا طالما شعرت فيه بأنّها دخيلة، لتدخل عالمًا آخر أكثر اتّساعًا وبذخًا، غير أنّه لم يكن أقلّ قسوةً في خفاياه. فخلف الأبواب الفخمة، وبين الوجوه التي تتقن إخفاء مقاصدها وراء الابتسامات المهذّبة، كانت تُحاك خصوماتٌ لا يُعلن عنها صراحةً، وتُوزن المكانة بموازين لا تعرف الرحمة. ولم يكن اسم كيريووين بالاسم الذي يُمكن أن تمرّ معه الأمور دون عواقب؛ إذ إنّ اقتران يوزو به جعلها موضع أنظارٍ لم تعتدها، وأيقظ في بعض النفوس ضغائن لم يكن لها أن تظهر لولا تبدّل منزلتها. وهكذا وجدت نفسها مطالبةً بأن تتعلّم، في وقتٍ قصير، كيف تسير بين أناسٍ قد يُخفون وراء أرقّ عبارات الترحيب أشدّ أشكال العداء. على أنّ أصعب ما واجهته لم يكن تلك النظرات، ولا ما أحاط بها من دسائس، بل عجزها عن فهم الرجل الذي اختارها. فقد كان رييا، على ما يبدو عليه من صرامةٍ وبرود، يُعاملها بطريقةٍ لم تعرفها من قبل؛ ولم تكن يوزو تدري أكان ذلك طبعًا فيه، أم أنّ لها عنده منزلةً لا تُشبه منزلتها عند سائر الناس. وكلّما حاولت أن تستقرّ إلى شيءٍ من الطمأنينة، باغتها خوفٌ قديم، يذكّرها بأنّ ما يأتي على غير انتظار قد يرحل بالسهولة نفسها. وهكذا، بين رجلٍ لا تُدرك حقيقة مشاعره، وعالمٍ لا يمنح ثقته لأحدٍ مجّانًا، بدأت يوزو تخطّ فصول حياةٍ جديدة؛ حياةٍ لم تعد فيها مجرّد الفتاة التي أُهملت طويلًا، بل امرأةً وجدت نفسها فجأةً في موضعٍ يغيّر نظرة الآخرين إليها، ويُلزمها، قبل كلّ شيء، بأن تغيّر نظرتها إلى نفسها. ولعلّ الأيام وحدها كانت كفيلةً بأن تكشف لها أنّ بعض الأقدار لا تأتي لتمنحنا ما افتقدناه فحسب، بل لتضعنا أمام كلّ ما عجزنا عن مواجهته حين كنّا نظنّ أنّنا لا نملك شيئًا نخسره. !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
22
!(مُؤتَمَن) : @no_body لَمّا تَعاوَرَني خَطْبٌ وأرْهَقَني وَهْنُ المَسيرِ، وجَدْتُ ظِلَّكَ الوَطَنا وكنتَ في عَتْمَةِ الأيّامِ مُؤتَلِقًا كالبَرقِ يَشقُّ دُجى الرُّوحِ إنْ وَهَنا ما ساءَلَتْني عنِ الأوجاعِ مُلحِفَةً لكنْ رأيتَ شُعاثَ النَّفْسِ مُنْهَدِما وضَمَّدْتَ جُرحًا عَصِيَّ النَّبْرِ، مُنْكَتِمًا حتى غَدَوْتُ أرى في الصَّمتِ مُعْتَصَما فما صنيعُكَ عندي عابرٌ هَذَرٌ بلْ وَسْمُ دَهْرٍ على أعمَاقِ مُهْجَتِنا إنْ خانَني اللَّفظُ عن تَوفِيَةِ شُكرِكَ فالصَّمتُ أبلَغُ، وفي أضْلاعِنا مَعْنَى لَكَ مِنْ صَميمِ الحَشا ذِكرٌ مُعَتَّقٌ لا يَستَبيحُ حِماها نَأْيُنا زَمَنا وسَوفَ يَبقى صَنِيعُكَ في تَلافِيفي ما دامَ في النَّفْسِ نَبْضٌ يُوقِظُ الوَسَنا !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
24
فِي بَرْزَخِ الوَجْدِ وَالخُذْلَانِ ما كان حبّي له ميلًا، بل استلابًا هادئًا لِما تبقّى مني؛ كأنني سلّمتُ روحي إلى يده في غفلةٍ منّي، ثم مضيتُ أتعلم كيف أعيش بنقصٍ لا يُرى. أحببته حتى غدا اسمه في داخلي أشبه بأثرٍ لا يندمل؛ كلما توهّمتُ أنني تجاوزته، وجدته قد انغرس أعمق، في موضعٍ لا تطاله يد النسيان. كان هو الطمأنينة التي تُربكني، والدفء الذي يترك في أطرافي بردًا طويلًا، والنجاة التي كلما احتميتُ بها غرقتُ أكثر. كنتُ أراه في أدقّ شقوق أيامي؛ في الصمت الذي يلي الكلام، وفي الأشياء التي لا تستحق الحزن فتستحيل، بسببه، أثقل من الحزن نفسه. لم أكن أطلب منه كثيرًا؛ كنتُ أريد فقط أن يردّ إليّ بعضًا مما أودعتُه فيه، أن ينظر إليّ ذات مرةٍ بالنظرة التي كنتُ أستطيع بها أن أملأ أعوامًا من الانتظار. لكنه كان بعيدًا على نحوٍ لا تقيسه المسافات؛ قريبًا من عيني، مستعصيًا على قلبي، وأنا أتعلم كل يومٍ أن الإنسان قد يقف على عتبة من يحب، ولا يُفتح له الباب. ويا لغرابة القلب حين يعجز عن معاداة من خذله؛ كنتُ أتألّم منه وأحنّ إليه، أعاتبه في سرّي ثم أشتاق إليه قبل أن أفرغ من عتابي، ألعن المسافة بيننا وأخاف في الوقت ذاته أن تزول، لأنني كنتُ أعرف أن زوالها لن يعيد لي ما أريد. كان في غيابه وجع، وفي حضوره وجعٌ آخر، حتى بدا لي أنني لم أعد أبحث عن السعادة، بل عن هيئةٍ أقلّ إيلامًا للحزن. ثم فهمتُ، بعد استنزافٍ طويل، أن أقسى الفواجع ليست أن تحبّ من لا يحبك؛ بل أن تمنح إنسانًا من قلبك ما يكفي ليكون وطنًا، ثم تكتشف أنك كنتَ بالنسبة إليه مجرّد عابرٍ لم يترك وراءه سوى أثرٍ لا يُلتفت إليه. وأنا، رغم كل ما انكسر في داخلي، ما زلتُ عاجزةً عن تحويله إلى كراهية؛ لأن بعض الذين نحبهم لا يغادروننا حين يغادرون، بل يتركون في الروح هيئةً منهم، ثم يمضون، ويتركوننا نتساءل طويلًا: كيف يمكن لشيءٍ كان عندنا بمثابة الحياة، أن يكون عند صاحبه مجرّد شيء؟ !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
23
كان ثورفين جاثيًا في حضرةِ السكون، كأنّ الأرضَ قد استبقت منه قوّتَه وأبقت له هيئةَ رجلٍ لا يعرفُ أين يضعُ بقايا نفسه. انحنى رأسُه، وتدلّت خصلاتُ شعره على جبينه، بينما كانت أنفاسُه تتعاقبُ واهنةً متثاقلة، كأنّ كلَّ زفيرٍ ينتزعُ من حناياهُ عُصارةَ أعوامٍ استحالت فيها الضغينةُ طبعًا، والمقتُ مألوفًا، والثأرُ قبلةً يتوجّه إليها دون أن يهتدي. كانت عيناهُ شاخصتين إلى العدم، لا إلى موضعٍ بعينه؛ ففي ذلك الفراغِ الماثل أمامه انبعثت أطيافُ ماضٍ موغلٍ في القِدم، وجوهٌ توارت، وأصواتٌ انقطعت، وأشلاءُ ذكرياتٍ ظلّت كامنةً في أقاصي الذاكرة حتى أضحت أثقلَ من أن تُستعاد، وأعجزَ من أن تُنسى. لم يكن الذي اعترى ملامحَه حزنًا بالمعنى المألوف؛ كان انخلاعًا داخليًّا، كأنّ ستارًا كثيفًا قد انزاح بغتةً عن بصره، فأبصر للمرة الأولى فداحةَ الطريق الذي قطعه. رأى نفسه لا بوصفه محاربًا، ولا ابنًا ثائرًا، ولا طالبَ ثأر، بل إنسانًا استُنزفت إنسانيّتُه قطرةً قطرة، حتى غدا قلبُه موضعًا قاحلًا لا ينبتُ فيه إلا ما غرسته السنونُ من قسوة. ثم جاءت اللحظةُ التي لم يكن فيها شيءٌ جديرًا بالاحتفاء؛ لا نصرٌ، ولا غنيمةٌ، ولا صليلُ سلاح. مجرّدُ رجلٍ أدرك، بعد فواتٍ طويل، أنّ بعضَ المعارك لا تُفضي إلى ظفر، وأنّ المرءَ قد يستولي على رقابِ خصومه جميعًا ثم يعجزُ عن استردادِ نفسه من أسرِ ماضيه. ارتجفت أصابعُه قليلًا، لا خوفًا من عدوّ، بل كأنّ الجسدَ نفسه كان يستنكرُ حياةً ألفها قسرًا. وحين رفعَ بصرَه، لم يكن في وجهه بريقُ الفاتك الذي عرفه الناس؛ كان ثمّة وهنٌ عميق، غير أنّ وراءه صلابةً مستحدثة، صلابةَ من ذاقَ مرارةَ الخراب حتى كفَّ عن تمجيده. في تلك اللحظة، لم يُعلن ثورفين انتصارًا، ولم يطلب غفرانًا، ولم يستردّ ما فقده؛ إنما خطا أولَ خطوةٍ نحو استردادِ إنسانٍ ظلَّ مدفونًا طويلًا تحت ركامِ الكراهية. !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
24
حين يصبح الإنسان قاضيًا على الإنسان أحيانًا لا يخيفني الشر بقدر ما يخيفني الإنسان حين يقتنع أن ما يفعله صحيح. ولهذا أجد شيئًا مثيرًا في جمع جوهان ولايت معًا. شخصيتان مختلفتان في الطريق، لكنهما تلتقيان عند فكرة واحدة: الإنسان حين يتجاوز حدود نفسه، ويبدأ بالنظر إلى الآخرين وكأنه يملك حق تقرير مصائرهم. لايت بدأ بفكرة قد تبدو، في ظاهرها، بسيطة: عالمٌ خالٍ من الجريمة. لكنه مع الوقت لم يعد يكتفي بفكرة العالم الذي يريده، بل أصبح يريد أن يكون هو من يحدد من يستحق أن يبقى فيه. وهنا تغيّر كل شيء. فالمشكلة لم تكن في امتلاكه القوة وحدها، بل في اللحظة التي بدأ فيها يرى نفسه فوق الحكم الذي يفرضه على الآخرين. وكأن امتلاك القدرة على إصدار الحكم جعله ينسى أن القاضي نفسه إنسان، وأن الإنسان مهما بلغ من ذكاء لا يستطيع أن يرى العالم كاملًا من زاوية واحدة. أما جوهان، فقصته أكثر هدوءًا، وربما لهذا تبدو أكثر إزعاجًا. لم يحتج إلى أن يعلن نفسه حاكمًا على أحد؛ كان تأثيره يأتي من معرفته بما يمكن أن يختبئ داخل النفس البشرية. يعرف نقاط ضعف الآخرين، ويعرف كيف يمكن لكلمة أو فكرة أن تغيّر طريق شخصٍ كامل. وهنا يظهر الفرق بينهما. لايت أراد أن يصنع عالمًا وفق رؤيته، بينما جوهان كشف لنا كم يمكن للإنسان نفسه أن يكون هشًّا أمام أفكاره. لكن الغريب أن كليهما يجعلنا نفكر في الشيء ذاته: هل الإنسان يصبح أقوى حين يمتلك السلطة، أم أن السلطة تكشف فقط ما كان موجودًا فيه منذ البداية؟ ربما لا تغيّرنا القوة كما نظن. ربما هي فقط تزيل الحدود التي كانت تمنعنا من إظهار ما نريد فعله. فالإنسان حين يكون عاجزًا قد يبدو رحيمًا، لا لأنه اختار الرحمة، بل لأنه لم يمتلك القدرة على أن يكون قاسيًا. وحين تُمنح له القوة، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا سيفعل بها؟ وهذا ما يجعل قصة لايت مؤلمة أكثر مما هي قصة ذكاء أو صراع. لأن البداية لم تكن رجلًا يريد الخراب، بل شخصًا رأى عالمًا مليئًا بالأشياء التي يكرهها، ثم صدّق أنه قادر على إصلاحه وحده. وهنا تبدأ المأساة. فالنية قد تكون جميلة في بدايتها، لكن الإنسان لا يُحاسب على النوايا وحدها؛ ما يفعله بها هو الذي يصنع نهايته. أما جوهان، فيترك لنا سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم يكن الإنسان بحاجة إلى قوة خارقة أصلًا كي يدمّر؟ ماذا لو كانت الكلمة، والضعف، والخوف، والفراغ الداخلي كافية؟ وربما لهذا لا أرى جوهان ولا لايت مجرد شخصيتين شريرتين أو عبقريتين. أراهما سؤالين عن الإنسان. لايت يسأل: ماذا يمكن أن يحدث حين نمتلك سلطةً بلا حدود؟ وجوهان يسأل: ماذا يمكن أن يحدث حين نعرف نقاط ضعف الإنسان أكثر مما يعرفها هو عن نفسه؟ وبين السؤالين توجد الحياة نفسها. نحن أيضًا نملك تأثيرًا في الآخرين، وإن كان أصغر بكثير. كلمة نقولها وننساها قد تبقى في قلب شخصٍ آخر سنوات. موقف نراه عابرًا قد يغيّر شيئًا في إنسان لم يخبرنا أصلًا أنه تأذى. ولهذا، ربما ليست القوة الحقيقية أن تستطيع التأثير في الآخرين، بل أن تعرف متى تتوقف عن ذلك. أن تملك القدرة على الحكم ولا تجعل نفسك إلهًا. أن تعرف ضعف شخصٍ ما ولا تستعمله ضده. أن تستطيع الانتقام، ثم تختار ألّا تفعل. لأن الإنسان لا يُعرَف فقط بما يستطيع فعله، بل أيضًا بما يستطيع فعله ويختار ألّا يفعله. وفي النهاية، يبقى الشيء الذي يجمع جوهان ولايت بالنسبة لي أبعد من الذكاء والغموض: كلاهما يجعلنا نتساءل عن الحدود الفاصلة بين العدالة والغرور، وبين الحرية والسيطرة، وبين أن تنقذ العالم وأن تحاول امتلاكه. وربما أقسى ما تعلّمه لنا قصتهما هو أن الإنسان قد يبدأ طريقه وهو يريد تغيير العالم، ثم لا ينتبه إلا متأخرًا إلى أن العالم الذي كان يحاول تغييره بدأ يغيّره هو. وعندها لا يعود السؤال: «هل كان يريد الخير؟» بل يصبح: «في أي لحظة أقنع نفسه أن الخير لا يمكن أن يكون إلا كما يراه هو؟» !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
25
حين يُحاكَمُ الإنسانُ في مِحرابِ ضميرِه لم يكتب دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» بوصفها حكايةً عن جريمةٍ أعقبها جزاء، بل شقَّ بها في النفس البشرية ممرًّا معتمًا، ثم ترك القارئ يتلمّس جدرانه بيدٍ مرتجفة. فالجريمة عنده ليست فعلًا ينتهي بانقضاء لحظته، وإنّما شرخٌ يستوطن الضمير، ويتّسع كلّما حاول صاحبه أن يطمسه تحت ركام التبريرات. تنبع براعة الرواية من ذلك الاشتباك المستعر بين الفكرة وصاحبها؛ إذ لا يكتفي دوستويفسكي بأن يسأل: هل يحقّ للإنسان أن يتجاوز القانون؟ بل يذهب إلى ما هو أعمق وأشدّ التباسًا: ماذا يحدث للإنسان حين يؤمن أنّه استثناءٌ من القاعدة التي يخضع لها سائر البشر؟ ومن هنا يغدو راسكولنيكوف أسيرَ أطروحته قبل أن يكون أسيرَ جريمته؛ عقلٌ يحاول أن يستحيل إلى محكمة، ثم يكتشف، على نحوٍ موجع، أنّ في داخله قاضيًا لا يستطيع إسكاتَه. ولعلّ أكثر ما يميّز كتابة دوستويفسكي أنّها لا تمنح النفس البشرية صورةً مصقولة. إنّه يكتب التناقض كما هو: نبلٌ يجاور الوضاعة، الرحمة تنبثق من قلب البؤس، والكبرياء يتهاوى أمام حاجةٍ واحدة إلى الغفران. شخصياته ليست تماثيلَ أخلاقيةً ذات ملامح ثابتة؛ بل كائناتٌ قلقة، متشظّية، تتنازعها النزوات والندم والوهم والرغبة في الخلاص. حتى المدينة في الرواية تبدو امتدادًا لذلك الاختناق الداخلي؛ فضاؤها الكئيب وضيقها وفقرها ليس خلفيةً محايدة، بل مناخٌ نفسيّ تتكاثف فيه الهواجس حتى تكاد تصبح ملموسة. وكأنّ دوستويفسكي لا يصف العالم من حول شخصياته بقدر ما يجعل العالم يشي بما يضطرم في أعماقها. أما العقاب، فلا يبدأ حين تُحكم المحكمة، بل قبل ذلك بكثير؛ يبدأ حين تتشقق الفكرة التي احتمى بها المذنب، وحين يعجز الإنسان عن الفرار من ذاته. ولهذا تبدو الرواية في جوهرها رحلةً من الغرور الفكري إلى انكشاف النفسي حين يقف عاريًا أمام ضميره؛ حين تسقط عنه الحجج، وتبقى الحقيقة وحدها، ثقيلةً كأنّها حكمٌ لا يحتاج إلى قاضٍ. !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
26