ꋪꋬꃅꏂꊰ⁶⁶ᝰ.ᐟ
@Xx_R_Xx ·
انكشافُ الوهم وفجأةُ البصيرة
ما أَهْوَلَ أن يستيقظَ المرءُ من غفلتِه، لا ليجدَ الحقيقةَ كما توهَّمها، بل ليكتشفَ أنّه كان أسيرَ سرابٍ أحكمت نفسُه نسجَه، وأفنى في تشييدِه من عمره ما لا يُستردّ. تلك اللحظةُ التي ينفصل فيها الوعيُ عن سذاجة التصوّر، وينبثق في أعماق الروح نورٌ مُرتاب، لا يؤنس وحشتَها، بل يكشف لها فداحةَ ما كانت تستحليه من عمًى.
إنّ لحظةَ الإدراك ليست استزادةً في المعرفة بقدر ما هي انهيارٌ مباغت لما استقرّ في النفس من مزاعمَ ومسلّمات؛ أن تستحيلَ الأشياءُ التي أَلِفتَها غرائب، والأوجهُ التي أَمِنتَها ألغازًا، والذكرياتُ التي اتّخذتَها مأوًى شواهدَ على خذلانك لنفسك. فتغدو الماضيات، على اختلاف صورها، مرآةً واحدةً تجبرك على النظر فيما كنت تفرّ منه: أنّك لم تكن تجهل الحقيقةَ دائمًا، بل لعلّك كنت تعرفها، ثم تؤثر عليها ما يُبقي قلبك معلّقًا بما يشتهي.
وأشدّ ما يُضني المرءَ ليس انكشافُ زيف العالم، وإنّما انكشافُ زيفه أمام نفسه؛ أن يستبين له أنّه كان يتستّر بالتأنّي وهو يخشى الحسم، ويتذرّع بالوفاء وهو يستعصم بالوهم، ويسمّي انتظارَه صبرًا، مع أنّه لم يكن في جوهره إلّا إحجامًا عن التسليم بما أبت رغبتُه أن تُقرّ به. وهنا يبدأ العقاب الأكثر صمتًا: ليس أن تفقد ما أحببت، بل أن تُبصر كم من مرّة فقدت فيها شيئًا من ذاتك وأنت تظنّ أنّك تحافظ عليه.
ثمّ، في غمرة هذا الانهدام الباطني، يتبيّن أنّ الوعي لا يأتي ليصالحنا مع ما حدث، بل لينزع عنّا حججنا في تأويله. فلا يعود المرء ذاك الذي كان يستجدي من الأحداث معنًى يطمئنّه، وإنّما يغدو شاهدًا على تهافت معانيه القديمة، يحمل بصيرةً أرجح من أمانيه، ويقينًا أثقل من قدرته على احتماله.
ولعلّ أعظم ما تستطيعه لحظةُ الإدراك أنّها تعيد المرءَ إلى نفسه، ولكن بعد أن تنتزع منها كلّ ما كان يستعيره ليتجنّب مواجهتها. فيقف أمام ذاته عاريًا من أعاذيره، متجرّدًا من أوهامه، لا يملك أن يغيّر ما انقضى، ولا أن يستعيد البصيرةَ التي لم تكن قد وُلدت فيه بعد.
ولعلّ أمضى ما تُفضي إليه لحظةُ الإدراك أن يغدو المرء غريبًا عمّا كانه، مستوحشًا ممّا كان يألفه، متبصّرًا بما لم يكن ليطيق رؤيتَه من قبل؛ فلا هو بقادر على استرداد غفلتِه، ولا هو بمستطيع أن يتخفّف من وطأة ما علم. وهكذا يدرك، متأخّرًا، وكأنّ الدهر قد تواطأ على إخفاء الحقيقة عنه، أنّ بعض البصائر محنةٌ لا مناص منها، وأنّ المعرفة، إذا انبثقت من أعماق الخيبة، لا تردّ إلى الروح سكينتَها، بل تستأصل منها آخر ما تعلّقت به من سراب؛ فيمضي، لا كمن بلغ اليقين، بل كمن فقد القدرة على تصديق أكاذيبه، وعرف أنّ أشدّ أنواع الضلال فتكًا هو ما يتزيّا للمرء بهيئة الحقيقة، حتّى إذا انكشف له زيفه، لم يجد في نفسه موضعًا يأوي إليه.
!(#Animeista)
#Luna_Artix
──────────
!(#سل_قلمك)
#محبرة_كاتب
!(#كتابات_luna_artix )


17


