تذوّق النفس
لم أكن أعرف أن النفس عالمٌ كامل،
كنت أظنّها مجرد شعور عابر بين الفرح والحزن.
لكن الأيام كشفت لي أنها مدينة كبيرة،
فيها شوارع مظلمة،وفيها نوافذ مضيئة،
وفيها ذكريات لا تموت مهما حاولنا نسيانها.
منذ طفولتي كنت مختلفًا، أشعر أكثر مما ينبغي،وأفكر أعمق مما يسمح به عمري.
حين كان أصدقائي يفرحون بألعابهم،
كنت أفرح… ثم أسأل نفسي:
هل هذا الفرح سيدوم؟ وحين كانوا يحزنون دقائق ثم ينسون،كنت أحزن طويلًا،
كأن الحزن يسكنني ولا يزورني فقط.
كبرتُ وأنا أحمل هذا الثقل دون أن أفهمه.
كنت أضحك كثيرًا أمام الناس،
لكن ضحكتي لم تكن من القلب.
كانت قناعًا جميلًا يخفي خلفه طفلًا خائفًا من الخسارة.أذكر أول مرة شعرت فيها بالخذلان الحقيقي.كان يومًا عاديًا،
لكن قلبي لم يعد بعده كما كان.
شخصٌ ظننتُه جزءًا من روحي،
تحوّل فجأة إلى درسٍ قاسٍ.
وثقت به،شاركتُه أسراري،أحلامي،ضعفي،كل شيء.
ثم رأيت تلك الأسرار تُقال للآخرين،
وتُضحكهم.ضحكوا على خوفي.ضحكوا على حزني.وفي تلك اللحظة فهمت أن الطيبة وحدها لا تكفي في هذا العالم.
عدت إلى البيت صامتًا،جلست على سريري،ونظرت إلى الجدار طويلًا.
لم أبكِ فورًا.كنت أشعر بشيء أثقل من الدموع.كأن قلبي يسقط ببطء في فراغ لا نهاية له.ومنذ ذلك اليوم،بدأت رحلتي مع الحذر.صرت أزن كل كلمة،وأراقب كل تصرف،ولا أفتح قلبي بسهولة.لكن الحذر لم يمنحني السلام،بل منحني الوحدة. والوحدة كانت معلمتي الأولى.
في الليالي الطويلة، كنت أجلس وحدي،
أفكر في كل ما مررت به.
أسأل نفسي:
هل المشكلة في الناس؟
أم في قلبي الذي يثق بسرعة؟
هل العالم قاسٍ؟
أم أنني حساس أكثر من اللازم؟
كل سؤال كان يفتح جرحًا جديدًا.
لكنني لم أهرب.
واجهت نفسي.
بدأت أستمع لصوتها الخافت في داخلي.
كانت تقول لي:
الألم ليس عدوّك…
إنه طريقك للفهم.
ومع كل تجربة قاسية،
كنت أنضج.شيئًا فشيئًا.
لم أعد ذلك الطفل الساذج.
صرت أفهم الناس أكثر.
أفهم أن بعضهم يقترب لمصلحة،
وبعضهم يبتعد دون سبب،وبعضهم يحبك بصدق،
لكنهم قلة نادرة.
تعلمت أن لا أتعلق بسرعة،ولا أرفع توقعاتي عاليًا.
لكنني في المقابل، خسرت شيئًا جميلًا:
العفوية.
لم أعد أضحك من قلبي بسهولة. لم أعد أفرح كما كنت.
صار الفرح يأتي بحذر،والحزن يأتي سريعًا.
ومع ذلك،
كنت أقوى.كنت أقف بعد كل سقوط.
وأجمع نفسي من جديد.وكأن روحي تتكسر ثم تُعاد صياغتها بشكل أصلب.
في إحدى الليالي،
جلست أمام المرآة،ونظرت إلى عينيّ طويلًا.
رأيت فيهما طفلًا متعبًا،
وشابًا يحاول أن يكون قويًا،وإنسانًا يبحث عن السلام.
قلت لنفسي بهدوء:
لقد تعبت… لكنك ما زلت واقفًا.
ومن تلك اللحظة،
بدأت أتعلم كيف أحتضن نفسي بدل أن ألومها.
بدأت أفهم أنني لست ضعيفًا،
بل حساس،
وأن الحساسية ليست عيبًا،
بل قلبًا يشعر بعمق.
تعلمت أن أختار من أدخل حياتي،
وأن أبتعد عمّن يؤذيني دون ندم.
ومع الوقت،
بدأت أشعر بتغير داخلي.
لم يعد الألم يكسّرني،
بل يعلّمني.
لم تعد الخيبات تنهيّني،
بل تبنيني.
بدأت أذوق نفسي كما هي:
مرّة حين أتألم،
وحلوة حين أبتسم رغم كل شيء.
وفهمت أخيرًا أن النفس ليست شيئًا نهرب منه،
بل عالمًا نحتاج أن نفهمه.
وأن من يعرف نفسه،
لا تضيع روحه مهما قست الحياة.
وكان هذا فقط…
بداية الرحلة.
#Auralis