الجزء الثالث من رواية ~همسات الضباب~ --- الفصل الثالث: ظلال لا تنام لم يكن الضباب قد انقشع عندما عادت إيفا إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها ببطء، وأسندت ظهرها إليه، وكأنها تهرب من شيء يلاحقها في الممرات. يدها ما زالت تشعر بدفء يده… ذلك الدفء الذي لم يكن ينبغي له أن يوجد. إيفان. جلست على حافة السرير، وعيناها معلقتان في الفراغ. الكلمات التي قالها ما زالت تتردد في عقلها، لكن أكثر ما أخافها… أنها لم تشعر بالندم. في الأسفل، كان القصر يستيقظ على رتابة الصباح الفيكتوري: خدم يتحركون بصمت، فناجين شاي تُحضّر، وأحاديث هامسة عن الليلة السابقة. — إيفا. التفتت عند سماع صوت والدتها. دخلت السيدة هذول الغرفة بخطوات محسوبة، فستانها الرمادي يعكس صرامتها المعتادة، وعيناها تفحصان ابنتها كما لو كانت تقرأ سطورًا خفية على وجهها. — سترافقينني هذا المساء إلى منزل آل هارينغتون، — قالت دون مقدمات — لا أقبل اعتذارًا. انقبض قلب إيفا. — أمي… أنا— — هذا ليس نقاشًا، — قاطعتها ببرود — سمعة العائلة فوق كل شيء. بعد خروجها، شعرت إيفا بأن الجدران تضيق. اتجهت نحو المرآة، فرأت في انعكاسها فتاة لم تعد تعرفها. فتاة وقفت في الضباب، واختارت أن تمسك بيد الخطر. في مكان آخر، داخل نادٍ رجالي قديم تكسوه الأخشاب الداكنة، جلس إيفان مقابل رجل مسنّ، ملامحه حادة كأنها نُحتت من الزمن نفسه. — عودتك إلى لندن لم تمرّ دون أن تُلاحظ، — قال الرجل — اسمك ما زال يثير القلق. — لم أعد ذلك الشاب الذي هرب، — رد إيفان بهدوء — لكن الماضي لا يتركني. أخرج الرجل وثيقة قديمة، دفعها نحوه. — عائلة هذول… هل تعرف ما الذي يعنيه اقترابك منهم؟ تصلب وجه إيفان. — أعرف أكثر مما تتخيل. في تلك اللحظة، دخل أوليفر النادي، ورفع حاجبيه فور أن رأى التعب في ملامح صديقه. — أراك تغرق أكثر، — قال وهو يجلس — أخبرني أنك لم تقع في الحب. ابتسم إيفان ابتسامة باهتة. — لقد وقعت… في المكان الخطأ. في المساء، كانت أوليفيا تقف قرب نافذة غرفتها، تنظر إلى الطريق المؤدي إلى القصر. شعور غريب لم يفارقها منذ الصباح، كأن شيئًا ما يُحاك في الخفاء. طرق خفيف على الباب. — هل أُزعجك؟ — قال أوليفر، واقفًا عند المدخل. — دائمًا، — أجابت بابتسامة ساخرة. دخل، وتقدم خطوتين، ثم توقف. — رأيتكِ في الحديقة هذا الصباح، — قال — بدوتِ… شاردة. تلاقت عيناهما. — وأنتَ، — ردت — تبدو كمن يخفي أكثر مما يقول. ساد صمت مشحون، ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الاعتراف أو الانفجار. — أوليفيا، — قال بصوت منخفض — إن اقتربتُ أكثر، قد أؤذيكِ. ضحكت بخفة، لكنها لم تخفِ ارتجاف صوتها. — الجميع يؤذون الجميع في النهاية، يا أوليفر… الفارق الوحيد هو من يستحق. وفي تلك الليلة، كانت لندن تتهيأ لعاصفة. ليس في السماء فقط، بل في القلوب. إيفا جلست إلى مكتبها، وأمسكت بالقلم. كتبت رسالة، ثم ترددت، ثم ختمتها. > "إن كان ما بيننا خطأً… فدعني أتعلم كيف أعيش معه." في الخارج، كان الضباب يعود، أثقل من ذي قبل، كأنه يبتلع المدينة ببطء، ويخفي تحت ظلاله حبًا لا يعرف الرحمة… ولا النجاة. #بقلمي #ايليا #محمد #ابراهيم
32