الفصل الثاني من رواية~ همسات الضباب ~ --- الفصل الثاني: حين يلتقي الظل بالقلب لم تنم إيفا تلك الليلة. ظلّت الرسالة تحت وسادتها، كأن وجودها وحده يمنحها دفئًا خفيًا، رغم الخوف الذي كان ينهش قلبها. كلما أغمضت عينيها، رأت عيني إيفان الرماديتين، ثابتتين، كأنهما تعرفان عنها أكثر مما ينبغي. مع أول خيط للفجر، نهضت بهدوء، ارتدت معطفًا خفيفًا، وتسللت إلى الحديقة الخلفية للقصر. كانت الحديقة غارقة في الضباب، أشجار السرو واقفة كحراس صامتين، والندى يلمع على الورد الذابل. مشت إيفا ببطء، حتى لمحت الظل. كان هناك. إيفان. وقف قرب الشرفة الحجرية، وكأنه جزء من الصباح نفسه. حين سمع خطواتها، التفت، وتلاقى نظرهما دون كلمة. — كان ينبغي ألا آتي، — قالت إيفا أخيرًا، وصوتها بالكاد سُمع. — وأنا لم أكن لأرسل الرسالة، — أجاب إيفان — لو لم أكن مستعدًا لتحمّل العواقب. اقترب خطوة، فتراجعت خطوة. — إن رآك أحد… سيتدمر كل شيء. ابتسم ابتسامة خافتة، لم تصل إلى عينيه. — بعض الأشياء تستحق الدمار. ساد صمت ثقيل، قطعه صوت طائر بعيد. مدت إيفا يدها دون وعي، ثم توقفت. — لماذا أنا؟ — سألت — أنت لا تعرفني. خفض إيفان نظره لحظة، ثم قال: — أعرف أنكِ لا تنتمين لهذا العالم الذي يحاول أن يحبس روحك. أعرف أنكِ تنظرين من النوافذ أكثر مما تبتسمين في الحفلات. ارتجف قلبها. — تراقبني؟ — أحاول أن أفهمك. قبل أن تجيب، سُمعت خطوات أخرى. اختبآ خلف شجرة ضخمة، أنفاسهما متقاربة، والمسافة بينهما أخطر من أي فضيحة. كان أوليفر يعبر الحديقة، بصحبة أوليفيا. — قلت لكِ إن الحديقة في هذا الوقت ليست آمنة، — قال أوليفر بنبرة مرحة. — ومنذ متى وأنت تهتم بالأمان؟ — ردت أوليفيا، وعيناها تلمعان بالتحدي. توقفا فجأة. شعرت إيفا بأنفاس إيفان قرب أذنها. — لا تتحركي، — همس. نبض قلبها كأنه سيخونها. مرّ أوليفر وأوليفيا دون أن يلاحظا شيئًا، لكن أوليفيا توقفت لحظة، التفتت، كأنها شعرت بشيء… ثم تابعت طريقها. بعد أن اختفى الصوت، تباعد إيفان خطوة. — يبدو أننا لسنا الوحيدين الذين نلعب بالنار، — قال بهدوء. ابتسمت إيفا بمرارة. — هذا ليس لعبًا. — أعرف، — قال، وعيناه أكثر جدية — لهذا أريد أن أكون صادقًا معكِ. أخرج من جيبه ورقة مطوية. — اسمي وحده ليس الحقيقة كاملة. فتحت الورقة، ورأت ختمًا قديماً، واسم عائلة تعرفه… اسمًا ارتبط بفضيحة قديمة همست بها الصالونات لسنوات. ارتفع رأسها ببطء. — هذا مستحيل… — هو حقيقي، — قال إيفان — وأنا إن اقتربت منكِ أكثر، سأجرّكِ معي إلى هذا الظل. أعادت الورقة إليه، ورفعت رأسها بثبات لم تعرفه من قبل. — إذن لا تبتعد، — قالت — علّمني كيف أواجهه. للحظة، بدا وكأن لندن بأكملها توقفت عن التنفس. مدّ إيفان يده… وترددت إيفا… ثم وضعت يدها في يده. وفي مكانٍ غير بعيد، كانت أوليفيا تنظر خلفها مرة أخرى، وقلبها يخبرها أن هذا الصباح لم يكن عاديًا… وأن الضباب يخفي أكثر من مجرد أسرار. #بقلمي #ايليا #محمد #ابراهيم
32