☠︎ 𝙉 𝙮 𝙭 ☠︎
@dodo_10 ·
البارت الأول: بداية الصمت
في إحدى المدن الجامعية المزدحمة، مع بداية الخريف، حيث تتساقط أوراق الأشجار كأنها رسائل من السماء، قرر "سليم"، الطالب الجامعي الهادئ، أن يبدأ فصلاً جديداً من حياته. ترك أهله في الجنوب وانتقل إلى المدينة ليلتحق بالجامعة، حاملاً معه حقيبة ثقيلة بالكتب، وصدراً مثقلاً بالمخاوف والتوقعات.
استأجر شقة صغيرة في بناية قديمة ذات طابع كئيب، تتعالى منها روائح الرطوبة، وتئن جدرانها ليلاً كما لو أنها تتنفس بألم. تقع الشقة في الطابق الثالث، رقم 304. في الطابق نفسه، شقة مقابلته تماماً، كان يسكنها شاب آخر يدعى "مالك".
كان سليم انطوائيًّا بعض الشيء، يميل للصمت أكثر من الحديث، لكنه لم يكن منطويًا بالكامل. كان يملك عقلًا يقظًا يحب المراقبة، وتفاصيل الأشياء دائمًا ما تثير فضوله.
في أول يوم له، عندما دخل البناية، شعر بوخز غريب في أسفل عنقه، كأن أعينًا خفية تتبعه. تجاهل الإحساس، ظنه نتيجة التوتر.
بينما كان يصعد الدرج الحجري المتهالك، قابل "مالك" لأول مرة.
شاب في مثل عمره تقريبًا، متوسط الطول، عيناه واسعتان لكنهما تفتقدان الحياة، كما لو أنه نسي منذ زمن كيف يفرح.
قال مالك بابتسامة مشدودة: "أهلاً.. جديد؟"
رد سليم وهو يحمل صناديق كتبه الثقيلة: "أي، نقلت اليوم. شقة 304."
هز مالك رأسه وقال بنبرة منخفضة: "أنا مالك. ساكن في 302. بس انتبه من 306."
رفع سليم حاجبه بدهشة: "وش فيها؟ فيها أحد؟"
ضحك مالك، لكنها لم تكن ضحكة طبيعية، بل أقرب لضحكة مكسورة: "فيها... وما فيها. انتبه بس."
ظن سليم أن الرجل يمازحه أو يضخم الأمور، فابتسم وواصل طريقه.
دخل شقته التي تفوح منها رائحة الأثاث القديم. كان المكان صغيرًا، عبارة عن غرفة نوم، مطبخ، وحمام. لكن رغم ضيقه، شعر فيه بنوع من الراحة المؤقتة، كأنه يحتمي من ضجيج العالم.
قضى ليلته الأولى في ترتيب أغراضه، لكنه لم يتمكن من النوم بسهولة. في تمام الساعة الثالثة فجرًا، استيقظ على صوت كأن شيئًا يُجر على الأرض. وقف، واقترب من باب شقته، ونظر من العين السحرية.
شاهد شيئًا غريبًا.
باب الشقة 306 كان مواربًا. ولا أحد في الممر، لكن كان هناك صوت... بكاء ناعم، مكتوم، كأن فتاة صغيرة تبكي وهي تحاول كتم صوتها.
ابتعد سليم عن الباب ببطء، ثم أسرع بإغلاق أقفاله جيدًا. عاد إلى سريره، وظل مستيقظًا حتى الفجر.
في اليوم التالي، التقى مالك في الممر.
قال له سليم: "شفت شي غريب أمس... صوت بكاء من 306."
قال مالك وهو ينظر نحو الباب المغلق للشقة: "شفت؟ قلت لك. هي تبغى أحد يسمعها. بس لا تنجرف. لا ترد. لا تلمس أي شي يجيك من عندها."
قال سليم: "هي مين؟"
رد مالك دون أن يلتفت: "مو مهم مين كانت. المهم هي وش صارت."
ذلك اليوم بدأ سليم يشعر أن كل شيء حوله يراقبه. كان يجد أشياء تتحرك من مكانها، وبدأ يسمع الهمسات.
في اليوم الثالث، وجد أمام باب شقته دمية قماش صغيرة، بعين واحدة، وشعرها مربوط بخيط أحمر غامق.
أخذها بدافع الفضول، لكنه منذ اللحظة التي لمسها فيها... انقلب كل شيء.
انقطعت الكهرباء. سمع أصوات تكسير خفيف داخل المطبخ. وجد صورًا على هاتفه لم يلتقطها، تُظهر شقته من زوايا لا يتذكر أنه وقف فيها.
وذلك المساء... طرق الباب.
فتح ليجد مالك، هذه المرة وجهه شاحب، وملامحه مشدودة.
قال: "أرجع الدمية. رجّعها قدام بابها. لا تتركها عندك."
قال سليم: "وش صاير؟ مالك؟"
رد مالك بهمس: "هي تلعب. بس اللعب مو للأحياء. إذا دخلت شقتك مرة، ما راح تطلع. رجّعها قبل ما تبدأ اللعبة الكبيرة."
لكن سليم، بحماقة فضولية، لم يرجع الدمية.
وفي تلك الليلة، بدأ يسمع همسات داخل خزانته، ووقع أقدام صغيرة تركض داخل الشقة، رغم أنه وحيد.
وفي الثالثة فجرًا، انفتح باب خزانته ببطء... وخرجت منه دمية ثانية، تشبه الأولى، لكن بوجه محروق.
استمر الأمر على هذا الحال لأيام، وكل ليلة يظهر شيء جديد.
وفي الليلة السابعة، دق الباب مجددًا. هذه المرة لم يكن مالك.
كانت فتاة... شعرها مبلول، ترتجف. قالت بصوت مبحوح: "رجّعني... رجّعني قبل ما يفوت الأوان..."
لكن حين blink (رمش بعينه)... لم تكن هناك.
قال سليم لنفسه بصوت مرتجف: "لازم أعرف وش فيه في 306..."
وهنا تبدأ رحلته نحو بابٍ، لا يفتح على شقة... بل على عالمٍ آخر.
#يتبع»»


28


