االاءي تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الطين والرطوبة، كانت آلاء ذات الـ 19 عاماً تجلس على الأرض، تحيط بها علب الألوان المكسورة وبقايا أوراق بيضاء جمعتها بصعوبة. كانت آلاء تتأمل لوحتها الأخيرة بنظرات باهتة، فالرسم لم يكن مجرد هواية بالنسبة لها، بل كان النافذة الوحيدة التي تنظر منها إلى عالم حرمت منه منذ سنوات طويلة.
بدأ الألم في حياة آلاء عندما كانت في الصف الثالث الابتدائي فقط. في ذلك العمر الصغير، قرر والدها بقسوة وجفاء أن يطردها من المدرسة ويحرمها من التعليم، بلا سبب سوى أنه يرى تعليم الفتيات عبئاً لا داعي له. ومنذ ذلك اليوم، تحولت الطفلة الصغيرة إلى أم بديلة لبيت يمتلئ بالمسؤوليات.
تضاعف ثقل الأيام فوق كتفي آلاء وهي ترى عائلتها تكبر، حتى صار عدد شقيقاتها 8 أخوات وهي كبراهنّ. كانت آلاء هي اليد التي تطبخ، وتنظف، وتربي، وتداري. وتحت سقف ذلك البيت، عاشت آلاء مع أم وأب قساة القلوب، لا يعرفون للين طريقاً، ولا يلقون لها بالاً إلا لإلقاء الأوامر واللوم.
قسمت آلاء قلبها وعمرها بين أخواتها السبع:
• أخت تصغر آلاء بسنة واحدة، لكنها انطوائية ومستسلمة للواقع.
• أختان توأم في الصف السادس الابتدائي، كانت آلاء تسهر معهما لتشرح لهما دروساً حرمت هي من دراستها.
• أخت في الصف الخامس الابتدائي.
• أخت في الصف الأول الابتدائي، كانت آلاء تمشط شعرها كل صباح وتودعها بابتسامة تخفي وراءها غصة.
• أخت صغيرة في البيت لم تدخل المدرسة بعد.
• آخر العنقود (سنتين)، الطفلة الرضيعة التي كانت تنام على صدر آلاء أكثر مما تنام في حضن أمها.
ولم تقف قسوة الحياة عند الحرمان والمسؤولية، بل امتدت إلى جسد آلاء الضعيف. أصيبت بـ مرض بسيط، لكنه مزمن، مرض لا يقتلها، ولكنه ينهش طاقتها يومياً، ويحتاج إلى علاج وادوية شهرياً. وكان تأمين هذا العلاج يمثل رحلة ذلٍّ شهرية؛ حيث يمنّ عليها والدها بثمن الدواء بعد سيل من التذمر والكلام القاسي، معتبراً مرضها عبئاً مالياً إضافياً.
في إحدى الليالي، بعد يوم شاق من التنظيف والطبخ والعناية بالصغيرة ذات السنتين، شعرت آلاء بألم المرض يشتد في مفاصلها وصدرها. كان الوقت متأخراً، وأخواتها نائمات بسلام بفضل تعبها. تحاملت على وجعها، وأخرجت كراسة الرسم وجلست تحت ضوء مصباح خافت.
أمسكت الفرشاة، وبدأت ترسم فتاة صغيرة ترتدي مريول المدرسة الأبيض والنيلي، وبيدها حقيبة مدرسية، وتطير لها أجنحة من نور خارج نافذة مظلمة. كانت ترسم ودموعها تسقط بصمت وتمتزج بالألوان المائية على الورقة. كان الرسم هو صرختها الصامتة، وملاذها من قسوة أمها وجفاء أبيها.
بكت آلاء في تلك الليلة، ليس اعتراضاً، بل من ثقل الألم؛ ألم الجسد المريض، وألم الطفولة المسروقة، وألم الحلم الذي دُفن في الصف الثالث الابتدائي. لكنها رغماً عن كل هذا الحزن، نظرت إلى أخواتها النائمات حولها، ومسحت دموعها برفق، مستمدةً قوّتها من ملامحهن البريئة، ومستعدةً لاستقبال فجر جديد يحمل نفس التعب، ونفس الصبر.
#الاء