*الفصل السادس: على أعتاب المستحيل.. صراع الأمل*
إحدى عشر سنة مرت، لم تكن مجرد أرقام، بل كانت دهوراً من الترقب الذي ينهش الروح. في كل زاوية من بيتنا، كان يسكن "خبرٌ" لم يكتمل، وحلمٌ أجهضه الواقع في أمتاره الأخيرة. إحدى عشر سنة ونحن نقتاتُ على فتات الأخبار، ننتظر خلف شاشات التلفاز، نلاحق أسماءً تلمع ثم تنطفئ، كشهبٍ عابرة في سماء ليلنا الطويل.
كانت كلمة "صفقة" تتردد في أرجاء المنزل كنشيدٍ مقدس. مع كل إشاعة، كان قلبي الصغير يقفز من مكانه، أركض نحو الباب وأتخيل أنني سأفتحه لأجد أبي واقفاً هناك، بهيبته التي لم يمحُها الغياب. كنت أعدُّ ملابسه، أستحضر عطره، وأرتب في رأسي الكلمات التي سأقولها له. لكن، وفي كل مرة، كان جدار التفاوض ينهار، وتتحول الفرحة التي بدأت تبرعم في صدري إلى غصةٍ مالحة تجرح الحلق.
يا لها من خيبة! تلك التي تجعلك تشعر بأنك تلمس النجوم بيدك، ثم تُهوي بك إلى قاع الانتظار من جديد. كان اليأس يحاول أن يتسلل إلى مسامات حياتنا، يهمس في آذاننا أن القيد لن ينكسر، وأن الزجاج سيبقى فاصلاً أبدياً.
ولكن، وسط هذا الإعصار من الوعود الهشة، كانت هناك "صخرة" لا تتزعزع: أمي.
كانت أمي هي البوصلة التي تشير دائماً نحو السماء. حين كانت تغيب الأخبار أو تفشل الصفقات، وتغرق عيناي بالدموع، كانت تمسك بيدي بقوةٍ غريبة، وتمسح على قلبي بكلماتٍ من نور: "إن لم تشأ إرادة البشر، فإن إرادة الله فوق كل حساب. مَن استودعناه عند خالقه لا يضيع، والفرجُ لا يأتي إلا من ضيق."
كانت تقويني بإيمانها الذي لا يعرف المستحيل. كانت صلاتها في جوف الليل هي السد المنيع الذي يحمينا من الانهيار. تعلمتُ منها أن الأمل ليس مجرد شعور عابر، بل هو "عبادة"؛ أن نؤمن بقدوم الفجر والليل في أشد حالات عتمته. كان يقيننا بالله هو الوقود الذي يجعلنا نستيقظ كل صباح، نبتسم للحياة، ونتفوق في دراستنا، وكأننا نغيظ السجان بصبرنا.
إحدى عشر سنة من الأمل الذي لا ينقطع، ومن "الخيبات" التي لم تزدنا إلا إصراراً. كنا نعلم أن القيد، مهما طال، لا بد أن ينكسر أمام دعاءٍ صادق وقلبٍ لا يعرف القنوط. لم نكن ننتظر مجرد "صفقة"، كنا ننتظر "عدلاً إلهياً" يجمع الشتات، وهو ما حدث في نهاية المطاف، ليثبت لنا أن الصبر مرُّ المذاق.. لكن عاقبته أحلى من الشهد.
شكرا لكل من قرأها🫂🌹