مـن الـذاكـــرة.. .. ‏رفع بصره صوبَ صفحةِ السماء المترامية، فشرد بذهنه يفتش في صناديق ذاكرتهِ العتيقة، ثم انبرى يقول بنبرة تملؤها المرارة: ‏-لقد حدث معي شبيه هذا من قبل.. كان لدي فرخ صغير، لكنه للأسف من النُّوع الذي يعاجله الأجل بعد يوم واحد. كنت أعشقهم تعلقًا، ويأكل الحزن قلبي إن فارقوا الحياة. ‏صمتَ قليلًا كأنما يستعيد لسعة تلك الذكرى، ثم أردف بأسى: ‏.. ‏-في ذات يوم، اشتد البرد على الفرخ حتى الريح كادت تجمد أنفاسه، فاستعجلتُ الخُطى لأجلب له ماءً دافئًا يقيه الزمهرير، لكنني.. حين عدت، كان قد أسلمَ روحه للبارد العاتي من الرياح. ‏.. ‏رمقتهُ بنظرة تقطر حزنًا، وقد تملكتني الدراما حتى كادت تزهقُ روحي، فهتفت بصوت متقطع يخنقه البكاء: ‏.. ‏"لاااا! آهٍ، أهئ أهئ.. ما ذنب هذا الكائن الصغير البريء؟! إن قلبي مفطور عليه لوعةً وأسىً.. ولا بد أن حزنك على فراقه أشد واعظم، أهئ أهئ.. ‏.. ‏ثم ما لبثت أن صمتُّ لبرهة قصيرة، لأنتقل بتناقض عجيب وسريع كأن شيئا لم يكن: ‏.. ‏-ولكن.. لا بأس! اذهب واشترِ فرخًا آخر، وأعطني إياه هدية، واشترِ واحداً لك أيضًا! ‏.. ‏رمقني بتعجب وذهول، وقد طار صوابه من هذا الانقلاب الفج، وسألني باستنكار: ‏-ولأي سببٍ عسى أن أشتري لك هدية؟! ‏.. ‏ابتسمتُ بكل براءة، وأعدت بصري إليه بدلال: ‏-هكذا! ببساطة لأني أحب الهدايا كثيرًا، غير أن أحدًا لا يهديني شيئًا، ونادرًا ما أنالُ هدية في هذه الدنيا. ‏.. ‏فرفع حاجبه مندهشًا، وأطرق ينظر أمامه ملياً، قبل أن يعيد نظره إليّ مبتسماً بابتسامة دافئة: ‏-تالله إنني لَفَاعِلٌ لو استطعتُ إلى ذلك سبيلا. ‏.. ‏حينها لمعتْ عيناي ببارقةِ الامل، وابتسمتُ له من أعماق قلبي: ‏-إذًا.. يكفيني أنك نطقْتَ بهذه الكلمات، فحسبُها أنها هدية بالنسبة لي. . . بــقَـلـم: .. 𝓗𝓸𝓻𝓷𝓮𝓽
11