@_Mira_ أُركيدتي، أصبحتُ مهووسًا بكِ إلى درجة أن الهوس نفسه ملَّ منّي، فترك لي التملّك كخيارٍ ثانٍ، وكأن قلبي لم يعد يكتفي بأن يحبكِ، بل يريد أن يحفظكِ في أعمق طبقات ذاكرته، أن يجعلكِ الفكرة التي لا تُغادر، والاسم الذي لا يحتاج إلى مناسبة كي يُقال. لم أعد أشتاق إليكِ بطريقةٍ عادية؛ أنا أفتقدكِ حتى في اللحظات التي تكونين فيها حاضرة، وكأن وجودكِ لا يكفيني، وكأنني كلما حصلتُ على لحظةٍ منكِ طالبتُ العمر كله. أريدكِ في تفاصيل أيامي لا كعابرٍ فيها، بل كشيءٍ ثابتٍ لا يتغير؛ أريد أن تصبح ضحكتكِ جزءًا من ذاكرة أذني، وصوتكِ ملجأً لذاكرتي، واسمكِ كلمةً يستحيل على لساني أن ينساها. أغار عليكِ من الوقت لأنه يأخذ منكِ دقائق لا أعرفها، وأغار من الأماكن التي احتفظت بخطواتكِ قبلي، ومن الذكريات التي صنعتِها دون أن أكون فيها، وكأنني أحاول عبثًا أن أستردّ من العالم كل ثانيةٍ لم تكن لي معكِ. لقد تجاوزتُ الحب منذ زمن؛ الحب كلمةٌ هادئة أكثر مما ينبغي لوصف ما يحدث داخلي. أنا لا أريد جزءًا منكِ، أريد الأثر الذي يتركه وجودكِ في كل شيءٍ حولي، أريد أن يصبح حضوركِ مألوفًا لروحي إلى درجة أن غيابكِ يبدو كخللٍ في ترتيب العالم. كلما حاولتُ أن أضع لهذا الشعور نهاية، عاد إليّ بصورةٍ أشد، وكلما أقنعتُ نفسي أنني اعتدتُ عليكِ، اكتشفتُ أنني فقط اعتدتُ على الهوس بكِ. أُركيدتي، أنتِ لستِ فكرةً أفكر بها حين أشاء؛ أنتِ الفكرة التي تأتي حين لا أريد التفكير، والاسم الذي يطفو في رأسي وسط أكثر اللحظات صمتًا، والوجه الذي تستطيع ذاكرتي استحضاره دون إذن. حتى الأشياء التي لا تشبهكِ أصبحت تقودني إليكِ، وكأن عقلي أعاد ترتيب العالم بطريقةٍ تجعل كل الطرق تنتهي عندكِ. وأعترف أن في داخلي رغبةً شرسة بأن يكون لي مكانٌ لا يُشبه أي مكانٍ آخر في قلبكِ؛ مكانٌ لا ينافسني عليه أحد، ولا تمحوه الأيام، ولا يستطيع النسيان الوصول إليه. لا أريد أن أكون مجرد شخصٍ أحببتِه ثم مضى، أريد أن أكون أثرًا عميقًا، شيئًا إذا حاولتِ تجاوزه عاد إليكِ من إحدى زوايا الذاكرة. هوسي بكِ لا يصرخ، بل يتسلل؛ يجلس بهدوءٍ في رأسي، يكبر مع كل تفصيلٍ أعرفه عنكِ، ويتغذى على كل لحظةٍ تجمعني بكِ. أريد أن أعرفكِ أكثر، ثم أكثر، ثم أكثر، حتى تنفد التفاصيل ولا ينفد فضولي نحوكِ. أريد أن أحفظ الأشياء التي تنسينها عن نفسكِ، وأن أتذكر الكلمات التي قلتِها عرضًا، وأن أحتفظ بكل لحظةٍ مرّت بيننا وكأنها شيءٌ نادر لا يسمح قلبي بضياعه. أُركيدتي، لو كان الشوق يُقاس، لكان ما أشعر به خارج حدود القياس، ولو كان الهوس له نهاية، لوجدتُ نفسي واقفًا عندها منذ زمنٍ طويل، لكنني كلما وصلتُ إلى حدٍّ ظننته الأخير، اكتشفتُ أن داخلي مساحةً أخرى قادرة على التعلق بكِ أكثر. أنتِ لستِ الشيء الذي أريده ثم أكتفي به؛ أنتِ الشيء الذي كلما اقتربتُ منه أردتُ الاقتراب أكثر. ولستُ أريد امتلاككِ كأنكِ شيءٌ يُمتلك، بل أريد أن أمتلك ذلك الأثر الذي تركتِه في داخلي؛ أن أحتفظ باسمكِ، بذكراكِ، بتفاصيلكِ، بكل ما يجعلني حين أسمع «أُركيدتي» أشعر أن هناك شيئًا في داخلي يعرف تمامًا لمن ينتمي. لقد أصبح وجودكِ بالنسبة لي عادةً لا أريد الشفاء منها، وصار غيابكِ سؤالًا لا أحب أن أجد له جوابًا، وصار قلبي، بكل ما فيه من عناد، يكرر الحقيقة ذاتها: أحببتُها حتى لم يعد الحب كافيًا، فتبعتهُ بالهوس، ثم جاء التملّك ليجلس حيث انتهت كل الكلمات. @_Mira_
22