«لي في هدوءِ الليلِ سرٌّ لا أُبوحُ به،
وفي صمتي حديثٌ لو تُرجِمَ
لأرهقَ الحروف.
أمضي،
ولا أستعجلُ الطريق،
فما كُتبَ للروحِ أن تبلُغَ مرادَها
دفعةً واحدة،
ولا للجميلِ أن يأتيَ دائمًا
على هيئةِ ما تمنّيناه.
أُحبُّ الأشياءَ التي تأتي دونَ ضجيج؛
كضوءٍ يتسلّلُ من نافذةٍ بعيدة،
كرائحةِ المطرِ حينَ توقظُ في القلبِ
ذكرى لا تعرفُ اسمَها،
وكابتسامةٍ عابرة
تتركُ في اليومِ أثرًا
أطولَ من حضورها.
ولستُ أبحثُ عن حياةٍ لا يعبرُها التعب،
فما من طريقٍ يخلو من الحجارة،
ولكنني أريدُ قلبًا
يعرفُ كيفَ يزهرُ
حتى بعدَ المواسمِ القاسية.
أريدُ أن أظلَّ تلكَ التي
لا تُطفئها خيبة،
ولا يُفسدُ نقاءَها سوءُ العابرين،
ولا تجعلُها قسوةُ العالم
نسخةً منه.
ففي داخلي مساحةٌ
لم تصلْ إليها الأيامُ بعد،
حديقةٌ صغيرة
ما زالت تُخفي بذورَ أحلامي،
وسماءٌ لا تزالُ تتّسعُ
لكلِّ ما لم يحدث.
وقد تعلّمتُ أنَّ الرقيَّ
ليس في أن نعلوَ فوقَ الآخرين،
بل في أن نرتفعَ عن كلِّ ما
لا يليقُ بأرواحنا.
أن نغادرَ دونَ ضجيج،
ونعفوَ دونَ أن ننسى الدرس،
ونصمتَ حينَ يكونُ الصمتُ أكرم،
ونتكلمَ حينَ يصبحُ الكلامُ ضرورة.
ولعلَّ أجملَ ما قد يبلغهُ الإنسان
أن يعرفَ نفسهُ دونَ أن يشرحَها لأحد،
وأن يختارَ سلامهُ
دونَ أن يشعرَ بالذنب،
وأن يمضي في الحياةِ
بقلبٍ ليّن،
وعقلٍ يقظ،
وروحٍ لا تستعجلُ الوصول.
فأنا لا أريدُ أن أكونَ عابرةً
في هذا العالم،
ولا أن أتركَ خلفي صدىً مرتفعًا،
يكفيني أن أتركَ أثرًا هادئًا
يشبهُ ضوءًا خافتًا في آخرِ الطريق؛
لا يراهُ الجميع،
لكن من يحتاجُ إليه
يعرفُ أنه كان هناك.
وسأمضي…
بخطًى هادئة،
وبقلبٍ يعرفُ أنَّ ما تأخرَ
ليس بالضرورةِ ما ضاع،
وأنَّ بعضَ الأمنياتِ
تحتاجُ إلى أعوامٍ
كي تنضجَ بما يكفي
لتشبهَنا.
فليأخذِ العمرُ وقته،
ولتأتِ الأشياءُ في مواسمها،
وليبقَ في روحي دائمًا
ذلكَ الجزءُ الذي يؤمنُ
أنَّ أجملَ الفصول
قد تكونُ تلكَ التي لم تأتِ بعد.»


28
2 comments
