ENAS
@NMNM ·
ليس النومُ دائمًا استسلامًا لنعاس الجسد، بل قد يكون آخر ما تبقّى من رحمةٍ تُمنح لقلبٍ أرهقته الحياة. فما أكثر الليالي التي نلوذ فيها إلى الوسادة، لا رغبةً في الراحة، بل فرارًا من ضجيج الأفكار، ومن ثقل الذكريات، ومن ذلك الحوار الصامت الذي لا ينتهي بين الإنسان ونفسه.
في الليل، حين تخفت الأصوات، وتنكفئ المدن على سكونها، تستيقظ داخلنا مدنٌ أخرى لا تعرف النوم. مدنٌ شُيّدت من الحنين، وسُقيت بالخذلان، وأضاءتها ذكرياتٌ كان ينبغي لها أن تموت، لكنها أبت إلا أن تعيش في أعماق القلب. عندها ندرك أن أكثر الضجيج إيلامًا ليس ما تسمعه الآذان، بل ما يعتمل في الصدور، حيث لا يسمع أحدٌ أنين الروح وهي تتصدع بصمت.
ما أقسى أن يصبح النوم أمنية، لا لأن الجسد قد أضناه التعب، بل لأن الروح بلغت من الإنهاك حدًّا لم تعد تقوى معه على حمل نفسها. نغمض أعيننا وكأننا نطفئ العالم بأسره، ونرجو أن تمتدّ تلك العتمة قليلًا، لعلها تُسكت هذا القلب الذي لم يعرف السكينة منذ زمن، ولعلها تمنحنا ساعاتٍ لا نُطالب فيها بأن نكون أقوياء، ولا أن نتظاهر بأن كل شيءٍ على ما يُرام.
وفي النوم عدالةٌ لا نجدها في اليقظة؛ فلا أحد هناك يسأل عن أسباب الحزن، ولا يُحاسب الدموع على انهمارها، ولا يُجبر القلب على ارتداء قناع الصلابة. هناك فقط، نستطيع أن نكون كما نحن؛ هشّين، متعبين، منكسرين، دون أن نخشى أحكام الآخرين أو نظراتهم.
غير أن النوم، على رحمته، ليس كريمًا دائمًا. فكثيرًا ما يفتح لنا أبواب الأحلام، لنلتقي بمن فقدناهم، فنراهم كما كانوا؛ تفيض وجوههم دفئًا، وتنبض أصواتهم بالحياة، فنظن أن الغياب كان كذبةً عابرة. ثم نستيقظ، فنكتشف أن الحلم كان أكثر رأفةً من الحقيقة، وأن الصباح قادرٌ في لحظةٍ واحدة على أن يهدم ما بنته الأحلام طوال الليل.
ولعل أكثر ما يُرهق الإنسان، أنه لا يهرب إلى النوم لأنه يحبّه، بل لأنه لم يعد يحتمل يقظته. يصبح الليل وطنًا مؤقتًا، والنعاس هدنةً قصيرة في حربٍ لا يسمع أزيزها سواه. وكلما أشرقت الشمس، عاد إلى المعركة ذاتها؛ يحمل قلبًا مثقلًا، ووجهًا هادئًا، وابتسامةً يتقن رسمها، بينما في داخله خرابٌ لا يُرى.
إن بعض الأرواح لا يقتلها الألم دفعةً واحدة، بل يستهلكها ببطء؛ يقتطع من نورها كل يوم جزءًا، حتى تغدو الحياة عادةً تُؤدَّى، لا شغفًا يُعاش. عندها يصبح النوم أشبه بمرفأٍ صغير ترسو عنده السفن المنهكة، لا لتصل إلى وجهتها، بل لتلتقط أنفاسها قبل أن يعيدها القدر إلى بحرٍ لا تهدأ أمواجه.
ولذلك، فإن أكثر الأدعية صدقًا قد لا تُقال باللسان، بل تُهمس بها العيون قبل أن تُغمض. دعاءٌ خفيٌّ لا يطلب من الحياة الكثير؛ فقط أن يأتي يومٌ لا يكون فيه النوم مهربًا من الوجع، بل راحةً خالصةً لقلبٍ طال انتظاره للطمأنينة، حتى كاد ينسى أن للسكينة وجهًا، وللأمل بابًا، وللروح وطنًا غير النوم.
#كاتب#دعم_الكاتبين #شارة_كاتب


5


