ENAS
@NMNM ·
الحزن ليس مجرد شعور عابر يمر بالقلب ثم يرحل، بل هو مدينةٌ كاملة يسكنها الصمت، وتُضاء شوارعها بذكرياتٍ لا تموت. هو ذلك الزائر الذي يأتي دون موعد، يجلس في أعمق زاوية من الروح، ويبدأ بفتح دفاتر الماضي صفحةً صفحة، حتى تصبح الذكريات جروحًا تنبض من جديد وكأن الزمن لم يمضِ عليها يومًا واحدًا.
في بعض الليالي، يكون الحزن أثقل من أن يُحكى. تجلس وحيدًا بين أربعة جدران، يحيط بك الصمت من كل الجهات، وتحاول أن تبدو قويًا أمام العالم، بينما أنت من الداخل تتهاوى قطعةً قطعة. تتذكر وجوهًا كانت يومًا كل شيء، وأصواتًا كانت تملأ أيامك حياة، ثم اختفت فجأة وكأنها لم تكن. عندها تدرك أن أقسى أنواع الفقد ليس الموت دائمًا، بل أن يبقى الأشخاص أحياء في هذا العالم، لكنهم يموتون في حياتك.
ما أصعب أن تشتاق لشخصٍ لا تستطيع الوصول إليه، وأن تمتلئ روحك بالكلمات التي تريد قولها له، لكنك تعلم أن لا أحد سيستمع. ما أصعب أن تضحك أمام الجميع بينما في داخلك ألف صرخة تبحث عن مخرج. فهناك أوجاع لا تُرى، ودموع لا تنزل من العين، بل تسقط بصمت داخل القلب حتى تُغرقه.
الحزن يعلم الإنسان أشياء لم يكن يريد تعلمها. يعلمه أن بعض الوعود مجرد كلمات جميلة، وأن بعض الأشخاص يرحلون بسهولة رغم أنهم أقسموا أن يبقوا. يعلمه أن القلب الذي يحب بصدق هو أكثر القلوب عرضةً للخذلان، وأن أكثر الأحلام إشراقًا قد تنطفئ في لحظة واحدة دون سابق إنذار.
كم من شخصٍ نام وفي قلبه أمنية صغيرة، ثم استيقظ ليجد أن الحياة سرقتها منه. وكم من روحٍ كانت مليئة بالأمل، لكنها تعبت من الانتظار حتى أصبح التعب وطنًا لها. هناك أناس يمشون بيننا بشكل طبيعي، يتحدثون ويبتسمون ويؤدون أعمالهم اليومية، لكن لو فتحت قلوبهم لرأيت بحرًا كاملًا من الأحزان المخفية خلف ابتسامةٍ متعبة.
أحيانًا لا يبكي الإنسان لأنه ضعيف، بل لأنه حاول أن يكون قويًا لفترة طويلة جدًا. حاول أن يتحمل، وأن يصبر، وأن يتجاوز، حتى امتلأت روحه بالتعب. وعندما تمتلئ الروح بالحزن، تصبح أبسط الأشياء مؤلمة؛ أغنية قديمة، صورة منسية، مكان مررت به يومًا مع شخصٍ أحببته، أو حتى رائحة عابرة تعيد إليك عمرًا كاملًا من الذكريات.
إن أكثر ما يوجع في الحزن هو أنه لا يتركك كما كنت. يأخذ شيئًا منك في كل مرة يزورك فيها. يأخذ براءة ثقتك بالناس، ويأخذ جزءًا من أحلامك، ويأخذ ذلك الطفل الصغير الذي كان يسكن داخلك ويؤمن أن كل شيء سيكون بخير. ومع كل خيبة، يكبر في القلب فراغ جديد لا يملؤه شيء.
هناك ليالٍ طويلة يشعر فيها الإنسان أن العالم كله نام إلا حزنه. يحدق في السقف لساعات، يفكر في كل شيء خسره، وفي كل شخص رحل، وفي كل فرصة ضاعت، وفي كل كلمة كان يجب أن يقولها ولم يقلها. يتمنى لو أن الزمن يعود للحظة واحدة فقط، لا ليغير الماضي، بل ليعيش تلك اللحظات الجميلة مرة أخرى قبل أن تتحول إلى ذكريات مؤلمة.
الحزن الحقيقي ليس ذلك الذي يجعل عينيك تدمعان، بل الذي يجعل قلبك صامتًا. ذلك الذي يجعلك تفقد الرغبة في الحديث، في الشرح، في البوح. تصبح الكلمات ثقيلة، ويصبح التعب أعمق من أن يُوصف. تشعر وكأنك تحمل جبالًا فوق صدرك، ولا أحد يراها.
ومع ذلك، يبقى الإنسان حيًا رغم كل ما فيه من كسر. يمضي في أيامه، يحمل جراحه بصمت، ويخبئ دموعه خلف ابتسامة باهتة. وربما لهذا السبب يبدو الحزن مؤلمًا إلى هذا الحد؛ لأنه يجعلنا نواصل السير بينما قلوبنا متعبة جدًا.
وفي النهاية، يبقى الحزن قصة لا يقرأها أحد كاملة. يرى الناس الفصول الأخيرة فقط، لكنهم لا يعرفون عدد الصفحات التي مزقتها الدموع، ولا عدد الليالي التي قضاها صاحبها وهو يحاول النجاة من نفسه. فبعض القلوب لا تموت مرة واحدة، بل تموت ألف مرة بصمت، ثم تستيقظ كل صباح وكأن شيئًا لم يحدث. وهذا هو الوجع الذي لا يُرى، والجرح الذي لا يلتئم بسهولة، والحزن الذي يسكن الروح طويلًا حتى يصبح جزءًا منها.
#كاتب #دعم_الكاتبين #شارة_كاتب

7


