𓆩مِـيـمِـيّ؟𓆪
@Hiroshima ·
عاد بيني وبين هذا الكاتب @borno تحدي صغير
ليس لإثبات من الأفضل، فلكل كاتب أسلوبه وروحه الخاصة، لكن لنعرف أي منا تستطيع اللغة أن تنحني له أكثر .
بدأت المأساة الفلسفية الكبرى بفكرة ..
فكرة هادئة، باردة، ومنطقية لدرجة أنها لم تثر ريبة أحد .
لم يكن المشهد الأول في حكاية لايت ياغامي بحاجة إلى دماء ليعلن عن الكارثة، بل كان بحاجة فقط إلى تلك اللحظة التنويرية الزائفة التي يقرر فيها العقل البشري، في لحظة خيلاء معرفي، أنه بات أرفع منسوباً من الوعي الجمعي للإنسانية، وأن من حقه هندسة الأخلاق وتطهير الوجود عبر "أداة العقاب المطلق" .
عندما عثر هذا الطالب العبقري على الدفتر، لم يولد مجرم سادي بالمعنى الغريزي، بل ولد مصلح راديكالي؛ كائن ينطلق من فرضية تبدو نبيلة وهي "تطهير العالم"، لكنها تحمل في أحشائها البذور الأولى لكل الشموليات الطاغية التي عرفها التاريخ البشري، حيث يتم اختزال الكائن الإنساني المعقد إلى مجرد "اسم" يُشطب لغايات إحصائية تخدم فكرة اليوتوبيا أو العالم الفاضل .
مع توالي الأسماء المكتوبة بين أسطر الدفتر، تحول الحدث من جريمة جنائية إلى مسار تفكيكي للبنية النفسية والأخلاقية للذات البشرية .
لم يتغير لايت فجأة، بل بدأ يمر بعملية انسلاخ بطيئة هي أخطر ما يصيب الإنسان حين يحوز سلطة مطلقة :
!(فقدان الخوف من نفسه).
في الحالة الطبيعية، يعيش الإنسان في توازن قلق تحكمه الروادع الداخلية؛ نخاف من نزواتنا، ونرتعب من احتمالية تحولنا إلى وحوش .
لكن مع كل اسم يكتبه، كان لايت ياغامي يقشر عن نفسه الكابح الأخلاقي الأخير، مقتنعاً بأن يده التي تكتب ليست يد قاتل، بل يد العدالة المطلقة؛ وهي اللحظة التي يتنبأ بها الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه حين تحدث عن "الإنسان المتفوق"، أو كما يُعرف بالألمانية بـ!(Übermensch) الذي يضع قوانينه الخاصة خارج حدود الخير والشر .
هنا يتحول الهوس المبدئي بإصلاح العالم إلى هوس مرضي بالانصياع الكامل للإرادة الشخصية، وتصبح التضحية بالآخرين مجرد "ضريبة ضرورية" لحماية طهارة الفكرة .
لكن المأساة لم تكن لتكتمل لولا اشتباك هذه النرجسية الفردية مع سوسيولوجيا الجماهير المنهكة، وهنا تحديداً يتجسد الواقع البشري بأبشع صوره الفلسفية .
عندما بدأ العالم يصفق لـكيرا، لم يكن ذلك حباً في الجريمة، بل كان تجلياً صارخاً لـعقد توماس هوبز !(الاجتماعي المظلم)؛ فالجماهير المحبطة من غياب العدالة المؤسساتية، والمثقلة برعب الفوضى اليومية، مستعدة دائماً للتنازل عن حريتها وإنسانيتها لصالح !(قوة عليا مخيفة) تخيفها أقل مما تخيفها الفوضى .
إن المجتمعات المتعبة لا تبحث عن "الحق" بأبعاده الأخلاقية المعقدة، بل تبحث عن "السيطرة"؛ تبحث عن طاغية يحمل سيفاً مسلطاً يمنحها شعوراً زائفاً بالنظام والأمان .
وفي هذه اللحظة، يتحول الأمان من حق إنساني أصيل إلى "مخدر عام" يُشر عن القمع، ويبرر غياب الحرية، ويجعل الشعوب تتواطأ مع جلادها لمجرد أنه يخلصها من عبء المسؤولية الأخلاقية .
هذا المسار الفلسفي المتسلسل تجسد في الواقع التاريخي البشري مراراً، مبرهناً أن ديث نوت ليس مجرد فانتازيا يابانية، بل هو وثيقة سياسية تفكك التاريخ .
فإذا تأملنا صعود "اليعاقبة" إبان الثورة الفرنسية بقيادة "روبسبير"، نجد التجسيد الواقعي الأقرب لـلايت ياغامي؛ رجل لُقب بـ"غير القابل للفساد"، انطلق من فكرة طوباوية لنشر الفضيلة والعدالة، لكنه انتهى بتحويل "المقصلة" إلى أداة تطهير يومية قطعت رؤوس الآلاف باسم "الإرادة العامة" .
وفي القرن العشرين، لم يصعد الطغاة في الأنظمة الفاشية والنازية بقوة السلاح الفجة في البداية، بل صعدوا لأن الجماهير الألمانية والإيطالية، التي أنهكتها الهزائم والأزمات الاقتصادية، وجدت في وعود النظام والخلاص طوق نجاة؛ فصفقت للمحاكم العسكرية، واعتبرت تصفية المعارضين والمختلفين "ضرورة تاريخية" لبناء الأمة الفاضلة .
حتى في عالمنا المعاصر، يتجلى هذا التواطؤ الجمعي في !(بنية المراقبة الحديثة)؛ كم مرة تنازلت المجتمعات الحديثة طواعية عن خصوصيتها الرقمية، وحرياتها الشخصية، وحقها في الاعتراض، وقبلت بوجود أنظمة خوارزمية تراقب كل شاردة وواردة، لمجرد أن السلطة وعدتها بالحماية من الإرهاب أو الجريمة المنظمة؟
إننا نعيش في عصر "الكيرا الرقمي"، حيث تمارس السلطة المطلقة برداء تقني بارد، وتتحول فيه أدوات الرقابة إلى "إله حديث" لا يُسأل عما يفعل، وتتقبل فيه الجماهير انتهاك إنسانيتها مقابل الشعور الخادع بالإستقرار .
وفي ذروة هذا التسلسل، يصل الطاغية إلى نهايته الحتمية بحيث :
تتبخر الغاية الأخلاقية الأولى تماماً، ولم يعد "لايت" يقتل من أجل العدالة، بل أصبح يقتل ليحمي "وهم ألوهيته" وسلطته من الانهيار .
يتحول المصلح إلى الكائن الأكثر رعباً وهشاشة في الوجود؛ كائن مدفوع بارانويا دائمة من خسارة ما يملك، ولا يحتمل وجود عقل واحد في العالم لا يخضع لإرادته .
هكذا اختتمت المأساة دورتها؛ لم تكن الكارثة في نهاية المطاف متمثلة في عدد الجثث التي خلفها الدفتر، بل في موت الحاسة الأخلاقية للمجتمع البشري .
إنها تلك اللحظة التاريخية المرعبة التي ينجح فيها الشر في إقناع الناس بأنه "ضروري"، ويتوقف فيها البشر عن رؤية القتل والاضطهاد كجريمة، ما دام يحدث باسم "العدالة" و"الأمان"، ليسجد المجتمع في النهاية لجلاده، ليس لأنه يحميه، بل لأن الخوف من غيابه بات أكبر من القدرة على تحمل الحرية .
إذا أردت الإسترسال أكثر، يمكننا استدعاء أفكار الفيلسوفة حنة أرندت حول "ابتذال الشر" وكيف يصبح القتل عملاً بيروقراطياً عادياً، أو التوسع في تحليل نهاية الطاغية حتمياً عندما يواجه واقعه الإنساني الضعيف؛ !(فما هو المسار الذي ترغب في توجيه النص نحوه الآن)؟
Light Yagami
Death Note
𝑯𝑬𝑹𝑶...★
#RAGING
#HERO_M16
#سل_قلمك
#محبرة_كاتب
#كتابات_الهائج


19


