‏!(‏‏عبيدٌ موهَمةٌ بالحريّة) ‏أكثر أنواع العبودية خطورة هي تلك التي يقتنع الإنسان فيها أنه حرّ بالكامل، بينما تتحكم به أشياء لم يخترها أصلًا، فالعبد الحقيقي ليس فقط من يُقيّد جسده، بل من تُقاد رغباته وأفكاره ومخاوفه دون أن ينتبه وهذا ما يجعل الإنسان الحديث أكثر تعقيدًا؛ لأنه يعيش داخل سجن لا يرى قضبانه. ‏يظن أنه يختار، بينما معظم اختياراته صُنعت مسبقًا، ذوقه، آراؤه، حتى طريقته في الغضب والحب كلها نتاج بيئة طويلة من التشكيل المستمر، المجتمع يدفعه تدريجيًا ليصبح نسخة يمكن التنبؤ بها، ثم يقنعه أن ذلك نابع من “شخصيته”. ‏ولهذا تبدو الحرية الحديثة غريبة؛ فهي تمنحك مساحة واسعة جدًا لكن بشرط ألا تخرج فعلًا عن الإطار المحدد لهذه المساحة، تستطيع أن تقول ما تريد، لكن داخل اللغة التي صيغت لك وتستطيع أن تتمرد، لكن بطريقة قابلة للاستهلاك والدرع في أي وقت وبكل سهوله. ‏فهناك أحد مقولات دوستويفسكي تقول أنه بعد بضع دقائق من ولادتك يحدد أسمك وهويتك ودينك والعديد من الأشياء الأخرى التي تبقى تدافع عنها بالرغم من أنك لم تخترها بنفسك، وايضا جملة بأحرف قليله لكنها كافيه لتوضح الفرق وذكرها دوستويفسكي في الجرمية والعقاب عندما قال إن الإنسان يعتاد على كل شيء أيها الحقير، وهذه الجملة تصيغ قدرة الإنسان على التكيّف حتى مع سجنه، حتى مع انكساره، حتى مع فقدانه لذاته إلى أن يصبح القيد الخارجي جزءًا من طبيعته. ‏وفي أدب رخيص تظهر صورة أخرى للعبودية، الإنسان الذي يضحك، يسهر، يستهلك، يدخل في علاقات عابرة، ويتحدث كثيرًا عن الحرية لكنه في النهاية عاجز عن مواجهة نفسه للحظة واحدة دون أن يسقط في دوامة تفكيره اللعين، وهنا تضع الشاكله بأن الإنسان يستعبد بالراحه أيضا وليس فقط بالعنف والخوف. ‏أن يُمنح ما يكفيه من التسلية، وما يكفيه من الرغبات الدنيوية حتى يتوقف عن طرح الأسئلة مثل من أنا؟ لماذا أعيش بهذه الطريقة؟ وهل ما أريده فعلًا أريده أنا؟ ‏الأنظمة القديمة كانت تحتاج إلى السلاسل، أما اليوم فالأمر أكثر أناقة وترتيبًا. ‏يكفي أن تجعل الإنسان مشغولًا طوال الوقت، مرهقًا، ومُشتتًا ثم سيقوم بالباقي بنفسه. ‏حتى التمرد أصبح قابلًا للبيع، الأفكار الثورية تتحول إلى موضة، والإنسان يظن أنه كسر القالب بينما هو فقط انتقل إلى قالب آخر أكثر حداثة فقط لا غير. ‏اسوء لحظة تمر على الإنسان قليل الفهم هي لحظة اقتناعه الكامل أنه حر، بينما هو يتحرك وفق مخاوفه، وشهواته، وحاجة مستمرة للقبول من الآخرين ويبحث عن نفسه في اعينهم ولا ينظر لنفسه في عينيه. ‏الحرية هي أن تعرف ماذا تريد ودون الحاجة المستمرة لأن تكون شيئًا في أعين الآخرين، ‏لأن الإنسان قد ينجو من الفقر، من القمع، ومن الخسارة، لكنه نادرًا ما ينجو من الوهم الذي تربّى ونشأ داخله. ____________________ #سل_قلمك #villains #Vi_Wr
9