🤍 @nn_28777 ·
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للهِ الذي يُقلِّبُ القلوبَ بين ضعفٍ وقوّة، وبين ضلالٍ وهداية، فيجعلُ من السيفِ نارًا إذا شاء، ونورًا إذا أراد، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ البلغاءِ وإمامِ الأنبياءِ، محمّدٍ بنِ عبدِ الله، وعلى آلهِ وصحبِه، ومن سار على دربهم إلى يومِ الدين. سيفٌ صاغتهُ القَدَر، ثم أطلقتهُ السماء: خالد بن الوليد ليس خالدٌ اسمًا يُتلى فحسب، ولا سيرةً تُكتبُ على هوامشِ الكتب، بل هو زلزلةُ فارسٍ إذا امتطى صهوةَ الجياد، وصاعقةُ بأسٍ إذا احمرَّ وجهُ الوغى. وُلد في بطحاءِ مكة، بين قومٍ يُتقنون الفخرَ كما يُتقنون الكرَّ والفرَّ، فنشأ والرمحُ لعبتُه، والسيفُ أنيسُه، والنجدةُ طبعه الذي لا يُفارقُه. كان في جاهليّتهِ فارسَ قريشٍ المدلّل، وساكنَ قلوبِ المعارك، يُجيدُ قراءةَ ملامحِ الأرض كما يُجيدُ قراءةَ عيونِ خصومه. وفي يومِ غزوة أحد، دار بخيله دورةَ الريح، فبدَّل وجهَ القتال، وأثبت أن الحربَ عقلٌ قبل أن تكونَ عضدًا، وبصيرةٌ قبل أن تكونَ بطشًا. هناك لمع اسمُه في سماءِ الصراع، لا لأنّه انتصر، بل لأنّه فهم. غير أنّ القلوبَ، وإن طال بها التيه، لا بدّ أن يُصيبها من نورِ الحقِّ قبس. فلما أراد اللهُ بخالدٍ خيرًا، خلع عنه درعَ العناد، وألبسهُ حُلّةَ الإيمان. خرج من مكة لا فارًّا، بل باحثًا، ولا مهزومًا، بل مستيقظًا. حتى إذا وقف بين يدي النبيّ ﷺ، أسلم قلبه قبل يده، وسلّم سيفه قبل لسانه. فتبسّم الرسول، وكأنّما كان ينتظرُ هذا السيفَ ليُشهِرهُ في سبيلِ ربِّه. ثم كانت معركة مؤتة، يومَ انكسرت الرماحُ على صدورِ القادة، وسقطت الرايةُ ثلاثًا، فالتقطها خالدٌ كما يُلتقطُ الأملُ من بينِ اليأس. قاتل قتالَ من لا يخشى إلا الله، وناورَ مناورةَ من يرى المعركةَ بعينين: عينٍ على الأرض، وأخرى على السماء. فأنقذ الجيش، وعاد به سالمًا، فقال فيه النبيُّ ﷺ: «سيفٌ من سيوفِ الله»، فصار اللقبُ قدرًا، والقدرُ خُلُقًا، والخُلُقُ تاريخًا. ولمّا امتدّت الفتوحُ في عهدِ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب، كان خالدٌ طليعةَ الجيوش، إذا سار تقدّم، وإذا اشتدّ الأمرُ ثبّت، وإذا اضطرب الصفُّ جمعه. فتح الحصونَ لا بكثرةِ العدد، بل بقوّةِ العزم، وهزم الجموعَ لا بحدِّ السيف وحده، بل بثباتِ القلب. وحين عُزل عن القيادة، لم يُبدِّل، ولم يتلوَّن، بل قال قولتَه التي تُكتَب بماءِ الكبرياء: أقاتلُ لله، لا للناس. أيُّ رجلٍ هذا الذي لم يطلبْ إمارةً، ولم يخفْ عزلاً، ولم يبدّلْ وجهته؟ أيُّ قلبٍ ذاك الذي عاش عمره بين الصليل والدم، ثم تمنى الشهادة، فلم يُكتب له إلا أن يموت على فراشه؟ لقد شهد عشراتِ الوقائع، وما في جسده موضعُ شبرٍ إلا وفيه أثرُ طعنةٍ أو ضربة، ثم يموت هادئًا، كأنّما أراد الله أن يقول: ليست البطولةُ في كيف تموت، بل في كيف عشت. مات خالدٌ في حمص، ولكنّ صهيلَ خيله ما زال يُسمع في كتبِ التاريخ، وبريقُ سيفه ما زال يلمع في عيونِ الفتيان. لم يكن بطلاً لأنّه لم يُهزم، بل لأنّه لم ينكسر؛ ولم يكن عظيمًا لأنّه انتصر، بل لأنّه أخلص. وهكذا يبقى خالدُ بنُ الوليد سيفًا مسلولًا في ضميرِ الأمّة، يُذكّرها أن الرجولةَ عقيدة، وأن القوّةَ أمانة، وأن التحوّلَ من باطلٍ إلى حقٍّ هو أعظمُ انتصار. رضي الله عنه وأرضاه، وجعل في سيرته نورًا لمن أراد أن يسلكَ طريقَ العزِّ والخلود.
16