--- الفصل الأول: همسات الضباب لم تكن لندن في تلك الليلة تشبه نفسها. الضباب كان أثقل من المعتاد، يزحف ببطء فوق الشوارع المرصوفة بالحجر، يبتلع أضواء الفوانيس واحدًا تلو الآخر، كأن المدينة تخفي سرًا لا تريد له أن يُكشف. في الطابق العلوي من قصر عائلة هذول، وقفت إيفا قرب النافذة الطويلة، تراقب العالم من خلف الزجاج البارد. كانت ترتدي فستانًا بلون العاج، بسيطًا على غير عادة حفلات المساء، وشعرها البني مسدول بلا عناية، كأنها لم تعد تهتم بما يراه الآخرون. في يدها رسالة. لم تكن رسالة عادية. الحبر الأسود ما زال يبدو حديثًا، والخط… كانت ستتعرف عليه بين ألف خط. > "لم يكن لقاؤنا صدفة، ولن يكون وداعنا كذلك." ارتجفت أصابعها. إيفان. همست اسمه كأنه خطيئة. كان ينبغي لها أن تمزق الرسالة فورًا، أن تلقي بها في النار، أن تنسى ذلك الرجل الغامض الذي التقت به قبل أسبوع واحد فقط في حفل شتوي فاخر، لكن قلبها خانها… ومنذ تلك الليلة لم يعد كما كان. خلفها، انفتح الباب بهدوء. — إيفا؟ جاءها صوت أوليفيا، دافئًا لكنه يحمل نبرة قلق. التفتت إيفا بسرعة وأخفت الرسالة خلف ظهرها، لكن أوليفيا لاحظت ذلك فورًا. اقتربت منها، فستانها الأزرق الداكن ينساب معها بخفة، وعيناها اللامعتان تفحصان أختها. — منذ متى وأنتِ تحبين الوقوف في الظلام؟ تنهدت إيفا، واستسلمت. مدت الرسالة دون كلمة. قرأت أوليفيا السطور الأولى، ثم رفعت حاجبيها ببطء. — إيفان… (توقفت لحظة) إذن هو حقيقي. ظننت أنه مجرد خيال صنعته لكِ ليلة مملة. — أتمنى لو كان خيالًا، — همست إيفا — سيكون الأمر أسهل. ابتسمت أوليفيا ابتسامة خفيفة، لكن عينيها لم تضحكا. — لا شيء سهل في هذا العالم، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالحب… أو بالرجال الغامضين. في الأسفل، كان القصر يعج بالأصوات. ضيوف، ضحكات مصطنعة، موسيقى بيانو هادئة، وأحاديث لا تنتهي عن الزواج والأنساب. — أمي تبحث عنكِ، — قالت أوليفيا — يبدو أن اللورد هارينغتون مهتم بكِ هذا المساء. شحب وجه إيفا. — لا… أرجوكِ لا. وضعت أوليفيا يدها على كتفها. — أعرف. (ثم أضافت بنبرة جادة) لكن إن كان هذا الإيفان يعني لكِ ما أظنه… فالأمر أخطر مما تتصورين. في تلك اللحظة، وفي مكان آخر من لندن، كان إيفان يقف في ظل مبنى قديم، معطفه الأسود يحيط به، وعيناه الرماديتان تراقبان ضوء قصر هذول من بعيد. إلى جانبه، كان أوليفر يبتسم ابتسامة خفيفة، وهو يشعل سيجارة. — لم أرَك متوترًا هكذا من قبل، — قال أوليفر — أهي الفتاة؟ لم يجب إيفان فورًا. — هي ليست مجرد فتاة، — قال أخيرًا — هي خطأ… وأنا أنجذب إلى الأخطاء أكثر مما ينبغي. ضحك أوليفر بهدوء. — هذا واضح. لكن تذكر، بعض الأبواب إن فُتحت… لا يمكن إغلاقها. رفع إيفان نظره نحو النافذة المضيئة في الأعلى. — أعلم، — قال بصوت منخفض — ومع ذلك، سأطرق الباب. وفي تلك الليلة، لم يكن أيٌّ منهم يعلم أن تلك الرسالة، وتلك النظرة من خلف الزجاج، ستكون الشرارة التي ستغيّر مصائرهم جميعًا… وأن الحب، حين يولد في الضباب، نادرًا ما يخرج منه سالمًا. #بقلمي# ايليا# محمد# ابراهيم @sX_739
26