Luca Vale
@azizalwerth ·
وُلِدَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ فِي فُلُولِ الصَّحْرَاءِ، وَنَمَا قَلْبُهُ عَلَى نَبْضِ الشِّعْرِ وَصَدَى الرِّيَاحِ. وَمَا إِنْ أَبْصَرَ لَيْلَى الْعَامِرِيَّةَ حَتَّى سَكَنَتْ فُؤَادَهُ سُكُونَ النُّجُومِ فِي سَمَاءِ اللَّيْلِ، فَصَارَ اسْمُهَا نَفَسًا، وَذِكْرُهَا عُمْرًا.
تَرَعْرَعَا صَغِيرَيْنِ، يَجْمَعُهُمَا مَجْلِسُ الْعِلْمِ وَتُفَرِّقُهُمَا أَعْرَافُ الْقَبِيلَةِ. وَحِينَ فَاضَ الْحُبُّ فِي صَدْرِ قَيْسٍ شِعْرًا، وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ نَهْرًا، ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَتَنَاهَى خَبَرُ هَوَاهُ إِلَى الْآذَانِ، فَحَالَتِ الْقُلُوبُ وَالْحُدُودُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَيْلَى.
خُطِبَتْ لَيْلَى لِغَيْرِهِ، فَتَشَقَّقَ قَلْبُ قَيْسٍ شَوْقًا، وَتَبَدَّدَ عَقْلُهُ حُزْنًا، وَآثَرَ الْفَلَاةَ عَلَى النَّاسِ. سُمِّيَ مَجْنُونَ لَيْلَى، وَمَا كَانَ جُنُونُهُ إِلَّا عَقْلًا أَفْرَطَ فِي الْحُبِّ، وَرُوحًا أَبَتْ أَنْ تُسَاوِمَ عَلَى الْوَفَاءِ.
كَانَ يَجُوبُ الصَّحْرَاءَ يُنَاجِي الظِّلَالَ، وَيُحَدِّثُ الْوُحُوشَ عَنْ عَيْنَيْهَا، وَيَكْتُبُ اسْمَهَا عَلَى الرِّمَالِ، فَتَمْحُوهُ الرِّيَاحُ وَيُعِيدُهُ الشَّوْقُ. وَكُلَّمَا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ: «هِيَ فِي قَلْبِي أَقْرَبُ مِنْ نَفَسِي».
وَمَضَتِ الْأَيَّامُ، وَبَقِيَ الْحُبُّ حَيًّا لَا يَمُوتُ، حَتَّى لَقِيَ قَيْسٌ رَبَّهُ، وَقِيلَ إِنَّ قَبْرَهُ صَارَ مَوْعِدَ الْعُشَّاقِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْ حِكَايَتِهِ أَنَّ الْحُبَّ إِذَا صَدَقَ خَلَّدَ صَاحِبَهُ، وَأَنَّ بَعْضَ الْقُلُوبِ خُلِقَتْ لِتُحِبَّ وَإِنِ احْتَرَقَتْ.

9


