[ ..حين تنقش الجراح أثرها.. ] تلك اللحظات التي مررنا بها في حياتنا لا تختفي، تبقى عالقة في قلوبنا، تلاحقنا مهما حاولنا الهروب منها. هناك ذكريات نتمسك بها لأنها كانت الشيء الوحيد الذي جعلنا نشعر أننا أحياء، وذكريات أخرى نحاول دفنها لأنها تذكرنا بأيامٍ كنا فيها أضعف مما نريد الاعتراف به، لكنها لا تُدفن، بل تبقى تحترق في الداخل. دازاي أوسامو لم يعرف الحياة كمساحة أمان، بل كجحيمٍ متواصل. عاش وسط الموت، رأى نهايات البشر تتكرر أمامه حتى فقد القدرة على العدّ. في عالم المافيا، لم يكن إنسانًا، بل أداة، وكل أداة لا يُسأل عن شعورها، بل عن فعاليتها. هناك، تعلّم دازاي أن يكتم كل شيء، لأن الشعور في ذلك المكان كان يعني الانكسار. كل يوم مرّ به هناك ترك أثرًا في روحه. كل أمر أصدره، كل دمٍ سُفك بسببه، كان ثقلًا يضاف إلى صدره. لم يكن الجحيم حوله فقط، بل بداخله، في صمته، في نظرته، في تلك اللحظات التي كان يضحك فيها دون سبب. غادر دازاي ذلك العالم، لكن الجحيم لم يغادره. بقيت الذكريات تلاحقه، بقيت الوجوه التي رحلت بسببه تزوره في صمته. كان يتحدث عن الموت كأنه فكرة عابرة، لكنه في الحقيقة كان يعيش معه كل يوم. لم يكن يبحث عن نهايته، بل كان يعاقب نفسه بالبقاء. ومع مرور الوقت، بدأت تلك النار تخفت قليلًا، لا لأنها انطفأت، بل لأنه تعلّم كيف يحملها. من خلال الأشخاص الذين التقاهم، ومن خلال إنقاذ الآخرين، بدأ يشعر بشيء يشبه الألم القديم، لكنه هذه المرة كان مختلفًا، كان يذكّره بأنه لا يزال إنسانًا. دازاي لا يزال في جحيمه، لكنه لم يعد وحيدًا فيه. لم يخرج منه، لكنه تعلّم أن يسير وسطه دون أن ينهار. { Dazai Osamu } { Bungou Stray Dogs } [ #فلسفه_ماكيما ] [ #كتابات_ماكيما ] [#جحيم ]
43