" من نواميس الخلقة حبُّ الذَّات للمحافظة على البقاء. وفي البقاء عمارة الكون. فكلُّ ما تشعر النَّفس بالحاجة إليه في بقائها فهو حبيب إليها. فالإنسان من طفولته يحبُّ بيته وأهل بيته لما يرى من حاجته إليهم واستمداد بقائه منهم وما البيتُ إلَّا الوطنُ الصَّغير . فإذا تقدَّم شيئا في سِنِّه اتَّسع أفق حبِّه وأخذت تتِّسع بقدر ذلك دائرة وطنه. فإذا دخل ميدان الحياة وعرف الذِّين يماثلونه في ماضيه وحاضره وما ينظر إليه من مستقبله ووجد فيهم صورته بلسانه، وجدانه، أخلاقه ونـ ـوازعه عرف أنَّ هؤلاء هم أهل وطنه الكبير ومحبَّته لهم في العُرف العامِّ هي الوطـ ـنيَّة. فإذا غُذِّيَ هذا الحبُّ بالعلم الصَّحيح شعر بالحبِّ لكل من يجد فيهم صورته الإنسانية وكانت الأرض كلها وطنًا له وهذا وطنُه الأكبر. وهذا ترتيب طبيعي لا طفرة فيه ولا مَعدِل عنه. فلا يعرف ولا يحبّ الوطن الأكبر إلَّا من عرف وأحبَّ الوطن الكبير. ولا يعرف ولا يحبُّ الوطن الكبير إلَّا من عرف وأحبَّ الوطن الصَّغير." هكذا يقول العلَّامة ابن باديس الجزائري في مقال له بعنوان الوطن والوطـ ـنيَّة، الحقُّ فوق كلِّ أحد والوطن قبل كلِّ شيء. كان قد استهلَّ مقاله بالتَّنويه إلى أنَّ حبَّ الوطنِ غريزة فطرية يُجبل عليها الفرد منذ فُصول نشأته الأولى، ثم استطرد شارحًا بعضًا من رُؤياه الفكرية السِّـ ـياسية مُبيِّنًا صُورة الوطن والوطنيَّـ ـة كما يراها. لم تنضب كلماته عند هذا الحدِّ، بل اكتملت في سياق منتظم رتَّبها فيه ترتيبًا حسنًا لتبيان أقسامِ النَّاس إزَّاء الوطن والوطـ ـنيَّة. فكان التَّقسيم إلى أربعة أقسام كما التَّالي 1️⃣ قسم لا يعرفون إلَّا أوطانهم الصَّغيرة: جاء وصفهم بالأنانـ ـيين على لسانه وأنَّ هذا الصِّنف من البشر في الغالب لا خير فيه حتى لأقربائه. 2️⃣ قسم يعرفون وطنهم الكبير: يتَّسمون بوطـ ـنيَّة عدوانـ ـيَّة. فهم مستعدون لفعل أي شيء يكون لصالح أوطانهم ولو عنى ذلك استـ ـعمار أوطان أخرى والقيام بكل الشَّـ ـنائع التي تنجرُّ عن الاستـ ـعمار والاحـ ـتلال. وحسب ابن باديس فهذا النَّوع من البشر هم مُصـ ـيبة البشرية جمعاء. 3️⃣ قسم يزعمون أنهم لا يعرفون إلَّا الوطن الأكبر وينكرون وطنيَّـ ـات الأمم: يُركِّز ابن باديس في هذا القسم على إنكار البعض لوطنيَّـ ـات الأمم وخاصة إنكار أديانهـ ـا بحجَّة أنها مَـ ـفرقة بين البشر. يرى أنَّ هؤلاء الأشخاص عاكَسُوا الطَّبيعة جملة واحدة فلا وزن لهم ولأفعالهم، وفـ ـشلهم حيثما حلُّوا هو الصَّدى الوحيد الذي يُسمع لهم. 4️⃣ وأخيرا قسم الوطنيَّـ ـة الإسـ ـلاميَّة العادلة: وهو التّيار الفكري الذي يؤيده ابن باديس إذ يُفصِّل في مقاله أنَّ الأفراد المنتمين لهذا القسم بلغوا مداركا عالية من الوعي بمستويات الأوطان الثَّلاث فتقبَّلوا تدرُّجها الطَّبيعي وأحبُّوها كلٌّ بما يقتضي. لا بدَّ أنكم تتساءلون عن علاقة هذه المقدمة بصورة المنشور؟ لكم الجواب، ما سأفعله تاليا هو تحليل لشخصية إيرين حسب مستويات الوعي بالأوطان كما أقرَّها ابنُ باديس. إيرين ومفهوم الوطن 🔸 يمكنني القول أنَّ مفهوم الوطن الصَّغير يختبره كل إنسان كيفما كان وإيرين ليس بمنأى عن هذه القاعدة فقد شهدنا تعلُّقه بوطنه الصَّغير، أسرته والتي كانت مكونة من والده ووالدته، ميكاسا وآرمين. كان وطنا صغيرا جدًا لكن قويًّا للغاية. 🔸 يكبر إيرين وينتقل للمستوى الثَّاني، الوطن الكبير، أمَّته والتِّي في حالته كانت شعب جزيرة الباراديس. أحبَّ إيرين شعبه وقاتـ ـل لحماية البشريَّة داخل الأسوار، البشريَّة الوحيدة التِّي يعرفها ويعترف بها. البشريَّة التِّي تقاسمه نفس مـ ـخاوفه وآلامـ ـه وتشترك معه في جـ ـراحه فيحسُّ بالانتماء إليها والرَّغبة في الذَّود عنها. 🔸الوطن الأكبر، الإنسانية جمعاء أو كما يطيب لي أن أسميها في إطار العمل البشريَّة خارج الأسوار. وللأسف هذا المفهوم منعدم تماما لدى إيرين. كان واضحا أنَّ إيرين لا يملك هذا الوطن الأكبر ولا يشعر بالانتماء إليه، وإقدامه على شبه إبـ ـادة جماعية للبشر أكبر دليل على تنكُّره لهذا المُستوى. خلاصة بعد هذا الطَّرح يمكنني القولُ بأنَّه وحسب تصنيف ابن باديس بلغ إيرين المستوى الثَّاني فقط من مستويات الوعي بالأوطان وانحصر فيه. ويا ليت مُـ ـصيبته كانت هنا فقط بل إنه وللأسف كان من النَّوع المذمـ ـوم الذي عرّفه ابن باديس بالشَّـ ـر والـ ـبلاء على أمَّته وعلى الأمم الأخرى أيضا. ربما تتساءل كيف كان إيرين بلاءً على أمَّته؟ أقول لك ببساطة أنَّ البشرية النَّاجية خارجَ الأسوار لم تنسَ ما فعله شيـ ـطان الباراديس وعادت بعد سنوات بقوى أكبر ودمَّـ ـرت الجزيرة بها بسكانها. بلغ شـ ـيطان الباراديس من الحُريَّـ ـة أدناها ومن العُبـ ـودية أعلاها، من الهدف ما تمنيناه وما كان يفترض بنا أن نقول عنه ما أسماه. لكن يا ويلتاه، في النِّهاية الفتى عن طريقه تاه. ماذا عنكم؟ في أيِّ مُستوى من الوطنيَّـ ـة تقبعون؟
5