!(الجزء الاول: الروايه لا تلتفت او العطش) !(تبدا) الروايه العطش ليس دائما عطش الماء. أحيانًا يكون جوعًا لشيء غامض، لا نعرف اسمه، فراغا في الصدر يشبه ثقبا صغيرًا يبتلع كل ما يقترب منه. !(هكذا كان) يعيش جوهاد. شاب في العشرين من عمره، لكن الزمن نحت على ملامحه ما يجعلها تبدو أثقل وأقدم بكثير. عيناه لم تر العالم كما يراه الآخرون: الشجرة عنده لم تكن خضراء، بل ظلا باهتا متشققا. السماء لم تكن زرقاء، بل خليطا غريبًا من الرماد والزجاج المكسور. أما البشر، فكان يراهم بهالات باهتة، بعضها مشروخ، وبعضها يضطرب كأمواج مكسورة. كأن العالم كله لوحة قديمة مهترئة، والألوان فيها فقدت معناها... إلا عينيه، فهما وحدهما كانتا تفضحان الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على رؤيتها. اعتاد الناس أن يصفوه بالمنعزل الصامت، أو حتى المهووس. لكنه لم يكن يكترث لتلك الكلمات. ما كان يثقل صدره لم يكن شيئا يراه الآخرون. كان عطشا غريبا، يتنامى يوما بعد يوم. عطش لا يرويه ماء، ولا يسكته طعام، ولا يطفئه نوم. وفي الليل، حين يغرق العالم في صمت ثقيل، كان جوهاد يستلقي على فراشه المهترئ في غرفته الضيقة. يضع كفه على صدره، وكأنه يحاول سد الفراغ الذي يتسع داخله. كان يسمع شيئًا لا يسمعه غيره صدى قطرات تتساقط في بئر مظلم... بئر بلا قاع. ذلك العطش، وذلك الصدى، كانا كهمس غامض يقوده نحو مصيره. وفي إحدى الليالي، حين بلغ الفراغ داخله حدا لم يعد يحتمل، انفتح أمامه لأول مرة باب لم يره من قبل... باب يقوده إلى ما سماه لاحقًا: "الغرفة الرمادية". كانت ليلة خانقة. القمر محجوب خلف غيوم ثقيلة، والهواء مشبع برائحة صدأ ورطوبة كأن السماء نفسها تختنق. جلس جوهاد في ركن غرفته عيناه نصف مغمضتين، وزفرة طويلة أفلتت من صدره وكأنها آخر ما يملكه من قوة. ثم... اختفى كل شيء. الجدران ذابت السقف تلاشى حتى الأرض تحت جسده لم تعد موجودة. وجد نفسه معلقًا في فضاء رمادي لا نهاية له. لا جدران، لا سقف، لا أرض. فقط ضباب يتماوج في الأفق يبتلع كل حدود ورنين خافت يتردد كما لو أن قطارًا بعيدًا يمر عبر نفق مهجور شعر جوهاد فجأة أن صدره صار أخف، وكأن ذلك الفراغ الذي ظل يلتهمه بدأ يتراجع العطش الغامض الذي طارده طويلاً... للمرة الأولى خف صوته. جلس طويلا يتأمل اللاشيء. الرمادي لم يكن ساكنا كما ظن بل كان يتنفس ببطء، كضباب ثقيل يزداد كثافة مع كل لحظة. شيئا فشيئا صار أثقل، كأن الهواء نفسه تحوّل إلى سائل كثيف يلتف حوله. ظهرت خطوط داكنة تتعرج في الضباب، شقوق رفيعة أولا، ثم أخذت تمتد وتتجمع، حتى رسمت خطا أسود بعيدًا في الأفق. هناك... شيء يتحرك. تجمد جوهاد في مكانه. الخط الأسود لم يبق خطا. تمدّد ببطء، ثم تشكل ظلا بشريًا غامضًا. الهيئة تقدمت بخطوات بطيئة، ومع كل خطوة كانت الأرض الرمادية تحتها تمحي، تاركة أثرًا أسود يتسرب كحبر حي ينزف على صفحة بيضاء. قلب جوهاد بدأ يدق بعنف. شعور بارد صعد من قدميه حتى رأسه، كأن دلوا من جليد شكب في عروقه كل خلية في جسده تصرخ: "اهرب". لكن قدميه... لم تتحركا. الهيئة رفعت رأسها ببطء، ولأول مرة رآها بوضوح. قرون ملتفة كجذور متحجرة، جلد أسود يلمع كزيت محترق وعينان بلا بؤبؤ، مجرد حفرتين من السواد الخالص يبتلعان النظر. فتحت فمها ... لكن لم يخرج صوت خرج برد برد جليدي عض عظامه من الداخل وكأن الشتاء انغرس في نخاعه ارتجف جوهاد وتراجع خطوة. لكن الأرض الرمادية خانته ظله لم يتحرك معه بقي واقفا في مكانه... ثم مال برأسه قليلا، وكأنه يبتسم بسخرية. تجمد الدم في عروقه. رعبه لم يعد خوفًا عابرًا، بل تحوّل إلى يأس ثقيل الفضاء الذي حسبه ملجأ أصبح سجنا رماديا بلا أبواب، والعطش الذي كان صامتا في صدره اشتعل نارًا تحرق حلقه. رفع يده ليصرخ، ليكسر، ليضرب أي شيء... لكن يده ارتجفت كغصن في عاصفة. ولأول مرة شعر أن خروجه من هنا مستحيل. شفتيه تحركتا بالكاد وصوتًا متحشرجا خرج منه "سوف... أموت هنا." الهيئة السوداء اقتربت أكثر، وكل خطوة منها كانت تمحو الأرض تحتها وتترك سوادًا أبديًا وراءها. حتى وصلت المسافة بينهما إلى حد صار فيه أنفاسها الباردة تلامس وجهه. ثم.... انطفأ كل شيء. #فتى !(ترقبوا الجزء الثاني )
20