𖤍 السديم
@njr ·
! (حين صار العالم عدوًّا)
🌑 كم مرة يجب على الإنسان أن يخسر نفسه حتى يجد الطريق الذي اختاره؟ وكم روحًا عليه أن يحمل فوق كتفيه قبل أن يصبح الموت أهون عليه من العودة؟ لعل أكثر ما يوجع في الحكايات أننا نبدأها ونحن نبحث عن بطل ثم ننهيها ونحن نتساءل من الذي كان يحتاج إلى الإنقاذ حقًا
وهذا ما كان في إيرين ييغر ذلك الفتى الذي بدأ حكايته صارخًا في وجه العالم متوعدًا العمالقة بالهلاك وكأن قلبه الصغير لم يتسع منذ ولادته إلا للغضب. رأيناه يركض خلف الحرية ويحلم بعالم لا جدران فيه وبسماء لا تحدها الأسوار. كان يظن أن العدو يقف خلف الجدار وأن تحطيمه كفيل بأن يمنحه الحياة التي سُلبت منه
لكن الجدار سقط ولم تسقط معه الحقيقة التي كان يخشاها
اكتشف إيرين أن العالم أوسع من سجنه وأن خلف البحر بشرًا لا يقلون خوفًا عن أولئك الذين تركهم خلف الأسوار. يومها لم يعد البحر نهاية الحلم بل بداية كابوس لم يكن مستعدًا لرؤيته. وقف أمام الماء الذي طالما تمنى الوصول إليه لكنه لم يبتسم كما تخيلنا فقد كان يعرف أن الحرية التي انتظرها طويلًا لم تأتِ وأن الأعداء لم يعودوا عمالقة بلا وجوه بل بشرًا يشبهونه تمامًا
ومنذ تلك اللحظة بدأ إيرين يتغير
لم يعد ذلك الفتى الذي يصرخ حين يغضب ولا الذي يندفع دون أن يحسب العواقب. صار أكثر صمتًا وأقل كلامًا وكأن شيئًا في داخله مات قبل أن يموت جسده. حتى عيناه اللتان كانتا تشتعلان كلما ذُكرت الحرية أصبحتا تحملان حزنًا لا يليق بفتى في عمره
ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها طريق للعودة
اختار إيرين أن يصبح العدو الذي كان يقاتله وأن يحمل على كتفيه خطيئة لا يمكن للعالم أن يغفرها. زحف العمالقة وارتجت الأرض وبدأت الحياة التي عرفها الجميع تتلاشى تحت أقدامهم. لم يكن المشهد انتصارًا كما ظن البعض ولم تكن فيه ملامح المنتصر كان أقرب إلى جنازة كبيرة يمشي فيها صاحب القرار قبل ضحاياه
لكن السؤال الذي ظل يطاردني هل كان إيرين حرًا حقًا؟
كان يستطيع أن يرى المستقبل وكان يعرف أين تنتهي خطواته ومع ذلك مضى إليها. كأنه سجين يعرف شكل الزنزانة ويحفظ عدد خطواته داخلها لكنه لا يملك مفتاح الباب. أراد أن يختار مصيره فإذا به يمضي نحو مصير رآه مرارًا ولم يستطع الإفلات منه
ولعل أكثر ما يحزن في إيرين أنه لم يكن يكره العالم بقدر ما كان يحب أصدقاءه. أراد لهم حياة طويلة وسماء لا تمطر خوفًا وأيامًا لا يضطرون فيها إلى حمل السلاح. لكنه في سبيل تلك الحياة أصبح الشخص الذي كان عليهم أن يوقفوه بأيديهم
تخيل أن تكون أمنيتك أن يعيش أحب الناس إليك وأن تكون أنت الخطر الذي يهدد حياتهم. أن تنظر إلى ميكاسا وأرمين وتعرف أن الطريق الذي اخترته سيقودك بعيدًا عنهما وأن كل ما تبقى لك هو أن تبتعد أكثر حتى لا يجدوا في قلوبهم سببًا للتردد
ثم جاءت النهاية...
لم تكن هناك جدران ولا عمالقة ولا ذلك الفتى الذي كان يصرخ يومًا سأقضي عليهم جميعًا. لم يبقَ سوى شاب أنهكه الطريق وفتاة أحبته أكثر مما استطاعت الكلمات أن تقول وقرار كان أثقل من أن يحمله قلب واحد
رحل إيرين وبقي العالم الذي أراد تحريره
وربما كانت مأساته أنه قضى حياته يركض نحو الحرية حتى لم يتبق له من حياته ما يستمتع به حين وصل إليها. أراد أن يرى أصدقاءه أحرارًا لكنه لم يستطع أن يكون واحدًا منهم
وهكذا انتهت حكاية إيرين ييغر
لم يمت ذلك الفتى الذي كان يحلم بالسماء في لحظة موته بل مات شيئًا فشيئًا في كل مرة اضطر فيها إلى اختيار طريق لم يكن يريد أن يسلكه
ومن يدري؟ لعلّه في مكان ما بعيدًا عن الحروب والعمالقة والذكريات استطاع أخيرًا أن يرى ما كان يبحث عنه طوال حياته
سماء لا جدران فيها.
#محبرة_كاتب / #السديم

7



