Comunidad
#عروس #القمر #والنَبيل #الذي #لا #يُشترى #بقلم #الكاتبة #ريم #الجابري @cas https://animeista.com/post/68814 @to_throb_22 في مملكةٍ تُدعى نور اليقين، كانت الأميرة ليلى تُشبه الحلم الذي لا يكتمل. وجهها مستدير كالقمر في ليلة بدر، بشرتها ناعمة كنسيم الفجر، وعيناها واسعتان كأنهما نُسجتا من حكايات ألف ليلة وليلة، فيهما دهشة الطفولة ووقار السلالة الملكية. كانت تمشي في ممرات القصر كأنها لا تلامس الأرض، وثوبها الطويل ينساب خلفها كظلٍ من الضوء. ورغم كل هذا الجمال، كان في قلبها فراغ لا يسده تاج، ولا تغطيه طبقات من الحرير. كانت تتنفس الوحدة في كل صباح، وتشربها في كل مساء. وفي الطرف البعيد من المملكة، بين أزقة بسيطة وحدائق متواضعة، كان مالك يعيش. شاب فقير يملك يدين خشنتين من العمل، لكن قلبه ألين من بتلة ورد. وجهه لا يحمل وسامة الأمراء، لكنه يحمل هدوءً يشبه الغيم قبل المطر. كان يراقب ليلى كلما خرجت إلى الحديقة، يكتفي بنظرة من بعيد، يخفض عينيه بسرعة إذا التقت عيناهما بعينيها، وكأن حضوره ذنب لا يحق له ارتكابه. حين كانت تضحك، كان قلبه يخفق كطبلٍ في معركة لا تُخاض. وحين تمر، كانت أنفاسه تُحبس، كأن النسيم ذاته توقف احتراما لخطواتها. لكنه لم يكن إلا بستانيًا بسيطًا. وذات صباح، استقبل القصر ضيفًا يُدعى سليم، أمير من مملكة الذهب. طويل القامة، بعينين واثقتين وابتسامة مصقولة، يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت ليرتفع صدى حضوره. كانت ليلى في بداية لقائهما تشعر بنبض جديد، شيء يشبه الإعجاب، وربما كان مجرد انبهار. سليم قدّم لها الكلمات التي أرادت سماعها، وسقاها من كأس الرفاهية، فظنت أنه الحب. أما مالك، فكان يراها معه من بعيد، يطأ العشب برفق كي لا يُسمع حزنه. لم يتكلم، لم يشكُ، فقط أدار قلبه جهة واحدة: نحوها. حتى حين كان يُصلح عربتها المعطلة، أو يضع زهرتها المفضلة على نافذتها دون أن يُرى، كان يفعل ذلك كمن يصلي… بهدوءً، وخشوع، ودون انتظار مقابل. ثم جاء اليوم الفاصل. رحلة صيد ملكية إلى غابات الشمال. الهواء بارد، ورائحة الطحالب تعبق في الأنفاس. كانت ليلى بجانب سليم، تضحك بخفة، بينما هو يتفاخر ببطولاته السابقة. مالك كان ضمن الحرس الخلفي، عينه تراقبها لا الطريق. وفجأة... دوى زئير اخترق هدوء الغابة، وخرج من بين الأشجار ذئب رمادي، عظيم الجسد، عيناه حمراوان، يزمجر بجوعٍ لم يعرف لحمًا منذ أيام. صرخ الجميع. الحراس تراجعوا، وسليم… تجمّد في مكانه، نظر إلى الذئب، ثم إلى ليلى، وبلحظة واحدة ركض، تاركًا صوته خلفه يهمس: "أنا آسف... حياتي أولى." ليلى تجمدت، جسدها ارتعش كغصن في مهب عاصفة، وركبتيها لم تقويا على حملها. وجهها خال من الدماء، ونظراتها متسمّرة على الحيوان الزاحف نحوها. لكن بين لحظة وأخرى، اندفع مالك. لم يكن يملك سيفًا، ولا درعًا. فقط جسده وقلبه. ركض نحوها كمن يركض إلى قدره، صرخ وهو يفتح ذراعيه أمامها: "إن كنتَ جائعًا... خذني أنا." قفز على الذئب، ودفعه بكل ما أوتي من قوة، تلقّى عضة في كتفه، لكنه لم يتراجع. ضربه بحجر، أطلق صرخة الألم، ثم دفعه إلى جذع شجرة، حتى فرّ الذئب مهزومًا. ثم هوى مالك على الأرض. ليلى ركضت نحوه، سقطت على ركبتيها، ووضعت رأسه على حجرها. كان جسده ينزف، ويداه مرتجفتان، لكن عينيه بقيتا مفتوحتين نحوها. كانت تنظر إليه بدهشة، وخجل، وشعور يشبه الندم لأول مرة. أنفاسها كانت متقطعة، ويداها ترتعشان وهي تمسح الدم عن جبينه. كانت تنظر إلى هذا الفقير الذي خاطر بحياته، لا من أجل مجد، بل من أجلها فقط. قالت بصوتٍ مخنوق: "لماذا فعلت ذلك؟ لما تعرّضت نفسك للخطر؟" فأجاب، بأنفاس متقطعة، وعينين ثابتتين: "لأنكِ كنتِ النور الوحيد الذي أراه كل صباح... وكنتُ أعرف، أن الحب الحقيقي... لا يهرب." بكت ليلى، بحرارة، دون أن تحاول إخفاء دموعها. كانت الدموع تنزل على خديها كأنها تغسل خطأها القديم. عادت إلى القصر وهي تُمسك بيده، لا يهم من رآهم، ولا من همس خلفهم. لقد تغيّر شيء في قلبها. وفي مساء ذلك اليوم، كتبت في دفترها: "الجواهر لا تُقاس بثمنها... بل بثباتها." "ومن يبيعك حين تخاف عليه، لن يشتريك إن احتجت إليه." "وأما الحب... فلا يُشترى، بل يُثبت."
93