Comunidad
الخنساء: البداية الملعونة قبل ألف عام، كانت الحرب بين المملكتين تلتهم كل شيء، ولم يكن لأحد نجاة من نيرانها. كانت الخنساء مجرد طفلة صغيرة حين سقط والداها قتيلين أمام عينيها، تُرِكت وحدها، بلا مأوى ولا عائلة، فاضطرت إلى التسول لتبقى على قيد الحياة. لكنها تعلمت سريعًا أن العالم لا يرحم الضعفاء. كبرت الخنساء وسط الظلم والقسوة، وتحجّر قلبها شيئًا فشيئًا. أدركت أن القوة وحدها هي السبيل للنجاة، فبدأت تبحث عن أي وسيلة تمنحها القوة المطلقة. سمعت عن تعويذة محظورة، قيل إنها تمنح مستخدمها قوة جيش بأكمله. لم تتردد لحظة، وذهبت تبحث عنها، حتى أوصلتها رحلتها إلى غابة السماء، تلك الغابة التي سُمِّيت بهذا الاسم لأن أشجارها العملاقة كانت تلامس السحب، مما جعلها أشبه بعالم آخر منفصل عن الأرض. داخل الغابة، وجدت كوخًا صغيرًا منعزلًا، وأمامه قبر بدا حديث العهد، وكأن صاحبه لم يُدفَن إلا منذ أيام. طرقت الباب بحذر، وحين لم تجد استجابة، دفعته ببطء، لتجد في الداخل شابًا هزيلًا، وجهه شاحب، وعيناه غارقتان في التعب والجوع. بدا كمن يحتضر. اقتربت منه، ترددت قليلًا، لكنها في النهاية قررت مساعدته. مرت الأيام وهي تعتني به، تطعمه، وتحرص على بقائه حيًا، حتى استعاد عافيته. حينها، صارحته برغبتها: — "أنا أبحث عن تعويذة تمنحني قوة لا تُهزم، وقد قيل لي إن والدك كان يملكها." نظر إليها الشاب بصمت للحظات، ثم قال بهدوء: — "أجل، كان يعرفها... لكنه مات قبل يومين، ولم يورثها لأحد." اتسعت عيناها بصدمة، لم تصدق أنها جاءت متأخرة، لكن الشاب تابع: — "لكنني أعرف مكانها، لقد سجلها في مخطوطة." أخرج لفافة قديمة، وقدّمها إليها دون مقابل. نظرت إليه بدهشة: — "تعطيني إياها هكذا؟ ألا تريد شيئًا بالمقابل؟" ابتسم ابتسامة باهتة وقال: — "اعتبريها مقابل اعتنائك بي... وأيضًا، وفّري لي المقابل لاحقًا." شعرت بغرابة كلماته، لكنها لم تهتم. أمسكت اللفافة، واستدارت للخروج، لكن صوته أوقفها: — "اصطحبيني معك!" استدارت نحوه بعبوس: — "ولماذا؟" أجابها وهو يتنهد: — "الغابة مليئة بالوحوش المفترسة، لم أستطع المغادرة منذ وفاة والدي، فهو كان من يجلب الطعام. إن خرجت وحدي، سأموت." تأملته قليلًا، ثم هزت رأسها موافقة، وغادرا معًا. لم يكن ذلك الشاب سوى بداية لقصة مختلفة، قصة غيرت مجرى حياتها بالكامل. من الانتقام إلى العائلة على مدار الأشهر التالية، تحول رفيق الطريق الغريب إلى جزء من حياتها. كان مختلفًا عن كل من قابلتهم، لم يحكم عليها بسبب ماضيها، لم ينظر إليها بعين الريبة أو الخوف. ومع الوقت، وقعت في حبه، وحين طلب يدها للزواج، وافقت دون تردد. ترك كلاهما ماضيه خلفه، وبنيا معًا حياة جديدة بسيطة، بعيدة عن الحروب والطموحات المجنونة. رزقا بأربعة أطفال، ثلاثة أولاد وفتاة، وعاشا بسلام لسنوات، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم. اندلعت الحرب مجددًا، وكان على المملكة تجنيد الرجال. جاء الجنود إلى منزلهم، وأمروا زوجها بالالتحاق بالجيش. لكن الخنساء، التي كانت تحمل في قلبها ندوب الماضي، رفضت ذلك بشدة. توسلت إليه أن يهربوا قبل أن يتم الزج به في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. أخبرته بكل شيء، عن طفولتها، عن فقدانها لعائلتها بسبب الحروب، عن خوفها من أن يعيش أبناؤها نفس المعاناة. في النهاية، وافق. لكن لم يكن الأمر بهذه السهولة. في صباح اليوم التالي، جاء الجنود لأخذه بالقوة. قاومهم، حاول الدفاع عن نفسه، بل إن ابنهما الأكبر اندفع للدفاع عنه أيضًا، لكنه لم يكن سوى طفل صغير أمام جنود مدربين. وفي لحظة، ارتفع نصل السيف، وسقط زوجها، وسقط ابنهما بجانبه، غارقين في دمائهما. حين عادت الخنساء ورأت المشهد، توقف الزمن من حولها. شعرت كما لو أن روحها تمزقت من جديد، كما لو أن ذلك الجرح القديم الذي ظنت أنه اندمل، عاد لينفتح على مصراعيه. هذه المرة، لم يكن هناك مجال للهروب. التحالف مع الشيطان في قمة يأسها، أمسكت باللفافة التي خبأتها طوال هذه السنوات، وقررت أخيرًا استخدامها. استدعت الشيطان الأعظم، ليظهر أمامها بضحكة باردة: — "تطلبين القوة، أليس كذلك؟" رفعت رأسها نحوه، نظراتها مشتعلة بالحقد: — "أريد جيشًا، أريد أن أدمرهم جميعًا." — "وماذا ستدفعين بالمقابل؟" تجمدت لوهلة، ثم سألته بحذر: — "ما الذي تريده؟" ابتسم ابتسامة شيطانية وقال: — "أريدكِ أنتِ." شعرت برعشة تسري في جسدها، لكنها لم تتراجع. بعد لحظة صمت، قالت ببرود: — "سأكون لك، لكن بشروطي. امنحني القوة فورًا، وبعدها سأبقى معك لعام كامل." اتسعت ابتسامته، ثم قال: — "تمّ الاتفاق." وفي صباح اليوم التالي، وقفت الخنساء وسط ساحة المعركة، وقد تحولت إلى شيطانة عملاقة، تقود جيشًا من الوحوش. لم يكن لأحد فرصة أمامها. سحقت كل من وقف في وجهها، دمرت المملكتين، قضت على الملكين وعائلاتهما، وتركت الخراب في كل مكان مرت به. لكن رغم كل ذلك، لم ترغب في الحكم. لم يكن هدفها العرش، بل الانتقام. وما إن أنهت مهمتها، حتى اختفت عن الأنظار. بعد تسعة أشهر، أنجبت أربعة توائم من الشيطان، وكان أحدهم يمتلك قوة خاصة، قوة ستتوارث عبر الأجيال، حتى تصل إلى وليم، الوريث الأخير لهذه اللعنة، في عصر الرواية الحالي. بقلم ✍️: #Abdullah_magdy || #عهد_الدماء ||
4