Topluluk
ظل الملك - الجزء التاسع بينما كان كايان يخطو خطواته نحو الجبال العميقة التي ظهرت أمامه، كان الشعور بالغموض يتزايد في قلبه. كانت السماء لا تزال مظلمة، ولكن الأفق كان مشرقًا بضوء غريب، كأن الكون نفسه قد قرر أن يكشف له سرًا عميقًا. كانت الجبال الشاهقة أمامه، تقف كحراس قدامى، غير مرئية للعالم إلا لأولئك الذين كانوا مستعدين للمواجهة. مشى كايان بحذر، وكل خطوة كانت تشعره وكأنها تقوده إلى عالم آخر، عالم كان غير مرئي لعينيه من قبل. كان يشعر بشيء غريب، شعور بأن الأرض تحت قدميه كانت حية، كأنها تتنفس. لم يكن في هذه الأرض سوى الصمت، ولكن الصمت كان يحمل معه أكثر من مجرد غياب الصوت. كان يحمل ثقلًا من الأسرار القديمة التي لا يفهمها إلا أولئك الذين سافروا بعيدًا عن المألوف. ثم وصل إلى قمة الجبل، حيث كان يقف على حافة الهاوية، لا شيء سوى السماء المظلمة والضوء الغريب الذي ينير الطريق أمامه. كان أمامه كهف ضخم، يتوهج من داخله، ولكن هناك شيء ما كان يشعره بالرهبة. كان هذا هو المكان الذي قال عنه الشبح، حيث تبدأ الجذور، حيث يختبئ السر. دخل كايان الكهف ببطء، وداخل الجدران الصخرية، كان هناك ضوء خافت ينبعث من كل زاوية. كانت الجدران مغطاة بنقوش قديمة، رموز وأشكال غريبة تنبض بالحياة. لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر هو أن الصوت الذي سمعه في البداية، الصوت الذي كان يهمس في ذهنه، أصبح الآن أقوى. كان صوتًا عميقًا، يردد الكلمات ذاتها: "هل أنت مستعد لمواجهة الحقيقة، كايان؟" "ماذا تعني؟" همس كايان لنفسه، بينما كانت يده تتحرك نحو الجدار المزين بالنقوش. ثم، فجأة، اهتز الكهف بشكل عنيف، وظهرت أمامه صورة مشوهة، صورة لظلال كانت تتحرك عبر الزمن، مشاهد لماضٍ بعيد، مشاهد يظهر فيها كائن ضخم، يشبه الوحش، يعيث فسادًا في عالم مظلم، ثم تظهر مجموعة من الأبطال، ولكنهم سرعان ما يختفون كما لو أنهم لم يكونوا هناك من الأساس. كانت هذه الصورة تلتقط لحظات غريبة، لحظات متداخلة بين الماضي والمستقبل. وفجأة، خرج صوت آخر، أقوى وأوضح من السابق. "لقد كنت جزءًا من هذا، كايان. أنت كنت جزءًا من هذه الدوامة الأبدية. منذ البداية كنت تعرف هذا، لكنك كنت تحاول الهروب من الحقيقة." تراجع كايان إلى الوراء، وعينيه تركزان على الصورة المتحركة. كانت الهمسات تصبح أقوى، وكل لحظة في الكهف كانت تحمل معها المزيد من الأسرار. "لماذا أنا؟ لماذا أنا فقط من يتعين عليه أن يتعلم هذا؟" ظهرت أمامه صورة جديدة، صورة لوالده، المقاتل الأسطوري الذي ضحى بحياته من أجل إيقاف الظلام. كان كايان يتذكره بوضوح، ولكن هناك شيء في هذه الصورة كان مختلفًا. كان والده ينظر إليه، ولكن عينيه كانت مليئة بالألم والخوف. كأنما كان يحاول أن يخبره بشيء كان خائفًا من قوله. "والدي...؟" همس كايان، وهو يقترب من الصورة، عينيه تملأهما الدموع. "ماذا كنت تحاول أن تخفي عني؟" ثم ظهر صوت آخر، ليس من الصورة هذه المرة، بل من كل الزوايا المحيطة به. "ما يظنه الجميع، أن والدك كان البطل الوحيد في هذه القصة. لكن الحقيقة هي أنه لم يكن إلا جزءًا من لعبة أكبر. كايان، ما لم تعرفه هو أن الظلام والنور ليسا مجرد قوى طبيعية. هما مكونان رئيسيان لوجودك. والديك، أنت، وكل المخلوقات في هذا العالم، تتشكلون من توازن هاتين القوتين. لكن ذلك التوازن كان مهددًا، وكان على والدك أن يضحي بحياته لإيقاف فوضى أكبر." كان قلب كايان ينبض بسرعة، وكان يشعر بالحيرة تملؤه. "كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن يكون النور والظلام جزءًا مني؟" "لقد خضت معركة طويلة ضد الظلام، ولكنك لم تدرك بعد أن الظلام جزء منك، كما هو النور. كان والدك يعلم هذا، ولذلك قرر التضحية بنفسه، ليحفظ هذا التوازن." جاء الصوت مرة أخرى، أقوى من أي وقت مضى. "لقد حان وقتك الآن. الوقت الذي سيجعلك تختار، كايان." تمزقت الصورة أمامه، لتظهر أمامه صورة ضبابية لثلاثة بوابات ضخمة، كل واحدة منها تحمل رمزًا مختلفًا. كانت البوابات تحمل في طياتها قوًى مختلفة، إحداها تومض بالنور، والثانية تشتعل بالظلام، بينما كانت الثالثة تتأرجح بينهما، وكأنها تمثل توازنًا. "أي بوابة ستختار؟" سأل الصوت. كان كايان واقفًا أمام البوابات، وأصبح يعرف الآن أن كل خطوة يخطوها ستحدد مصير عالمه.
5