!({المثال التوضيحي }) Doflamingo Donquixote بين الفطري والمكتسب حدٌّ دقيق لا يتبينه إلا نافذ البصيرة، أما من سواه فيتخذه ذريعةً لابتداع مذاهب تُسوغها السوابق، وتصاغ منها مسلماتٌ تكبل الوجود بأنيابها. ودوفلامينغو واحد ممن اتخذوا من الامتياز مقياسًا للاستحقاق، ومن فقدانه مسوغًا للبطش وفق ما تمليه ذواتهم. فهو ذاك الذي انتزع عنه وشاح القداسة عنوةً، فرأى في سقوطه من عليائه انكسارًا لمرآةٍ طالما أبصر فيها تفوقه، فظل مستنكرًا تقلبات الوجود، متشبثًا بوهمٍ يصير العلوَّ الموروث استحقاقًا لا تنقضه يد المصير، وكأن للدم عهدًا تأبى السنون حل عُراه، حتى خلط بين ما أورثته إياه النشأة وما قد يستحقه المرء بفعله، فرأى في زوال امتيازه انتقاصًا من جوهره، لا سقوطًا لحصانةٍ لم يكن له فضل في اكتسابها. ومن هذا الصدع الممتد إلى أغوار كينونته تشكلت قناعاته، فغدا يرى في العالم مرآةً يسترد فيها هويته المهشمة، وساحةً لا سبيل إلى إخضاعها إلا بسطوة القوة، التي لا يعتد بها ما لم تفض إلى الإذعان، ولا يتوخى منها سوى تطويع الوجود لمشيئته، ولو كان الثمن استباحة حقوق الآخرين، حتى اختزل العالم في صراعٍ لا يحتكم إلا إلى موازين الغلبة، ورد البشر إلى دمىً تتشابك خيوطها بين أصابعه، وأدواتٍ لا يعتد بوجودها إلا بقدر ما تُسخر لإعلاء عرشه. أما القيم فلا يراها إلا أوهامًا يتدرع بها العاجزون حين تخذلهم القوة عن بلوغ مآربهم، ولا يقر لها بوزنٍ إلا حين تنصاع لسلطانه، حتى يغدو الظفر في ميزانه برهانًا على الصواب، والغلبة مسوغًا لإخضاع الوجود لرغباته. وهنا يبدأ افتراقي عنه عند أصل الميزان، فامتلاك أسباب القوة لا يمنح صاحبها حق احتكار الصواب، كما أن عجز الضحايا عن المقاومة لا يكسب إخضاعهم مشروعيةً، ولا يحول عجزهم إلى مسوغٍ لامتياز المتسلط، فكيف يتخذ ما سبق الإرادة ملاكًا للجدارة، وينسب إلى المرء فضل لم تصنعه يداه؟ لو كان النسب مِلاك العلو، لاستحال الفضل إرثًا تحتكره السلالات، ولغدا تفاوت الموالد حكمًا تبرمه الصدفة قبل أن تتاح للمرء فرصة الاختيار. أما الغلبة فواقعةٌ تثبت وقوع الظفر، لا صحة المذهب الذي أفضى إليه، وإلا غدا الظلم متى انتصر عدلًا في ميزان الغالب، غير أن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على إخضاع غيره، فالكرامة ليست منحةً يهبها التفوق ولا حقًا تسلبه الهزيمة. ولا يعفي الماضي المأساوي صاحبه من تبعة اختياراته، فاختلاف مسار دوفلامينغو عن مسار أخيه يكشف أن المحنة وإن ضيقت مسالك المرء لا تملي عليه وجهةً واحدة، ولا تسقط عنه مسؤولية اختياره، وتلك مفارقته الأعمق أنه عجز عن تصور ذاته خارج القمة، فربط سيادته بخضوع الآخرين، وانتهى أسيرًا لحاجته إليهم فلا يطمئن إلا إذا أعاد إثبات ذاتهِ بانكسارهم. وهكذا انقلب منطقُه عليه، فما اتخذه برهانًا على علوه لم يكن إلا شاهدًا على عجزه عن استحقاقه، فليس كل ظفرٍ جدارةً ولا كل علوٍّ نبلًا.
10