لعلّه خيرٌ… و إن لم نفهم الحكمة الآن. يُحكى أن ملكًا كان له وزيرٌ حكيم ، اعتاد كلما حدث أمرٌ أن يقول له: «لعلّه خير». و ذات يوم ، قُطع إصبع الملك ، فاشتدّ ألمه وغضبه ، لكن الوزير قال له كعادته: «لعلّه خيرٌ يا مولاي». فغضب الملك من قوله ، و أمر بسجنه ، فما كان من الوزير إلا أن قال بهدوء: «لعلّ في السجن خيرًا أيضًا». و مرّت الأيام ، و خرج الملك ذات يوم للصيد في الغابة ، فوقع في أيدي قومٍ كانوا يعتزمون تقديمه قربانًا. و حين همّوا بذلك ، لاحظوا أن أحد أصابعه مقطوع ، فاعتبروه غير صالحٍ للقربان ؛ لأنه غير كامل ، و أطلقوا سراحه. عاد الملك إلى قصره ، و قد أدرك أن فقدان إصبعه ، الذي ظنّه مصيبةً ، كان سببًا في نجاته من الموت. فأمر بإطلاق سراح الوزير ، و استدعاه ، ثم قال له: «لقد صدقتَ يا وزيري ، فلولا إصبعي المقطوع لقتلتني تلك القبيلة. لكن أخبرني ، ما الخير في أنني سجنتك؟» فأجابه الوزير: «يا مولاي ، لو لم تسجنّي ، لرافقتك إلى الغابة كما جرت عادتنا ، و حين وقعتَ في أيدي أولئك القوم ، لأخذوني معك. و لما كان جسدي سليمًا و كاملاً ، لوجدوني صالحًا للقربان ، و لقتلتني مكانك! فكان سجني سببًا في نجاتي». فسكت الملك ، و أدرك أن ما ظنّه شرًّا قد يكون بابًا لنجاةٍ لم يكن ليتخيّلها. العبرة: كم من أمرٍ أبكانا ، ثم اكتشفنا بعد حينٍ أنه صرف عنّا ما هو أشدّ إيلامًا ، و كم من بابٍ أُغلق في وجوهنا فظننّاه نهاية الطريق ، ثم تبيّن لنا أنه كان حمايةً من طريقٍ لا نعلم عاقبته. لا تتعجّل الحكم على أقدار الله ، ولا تظنّ أن تأخّر الخير يعني غيابه ، ولا أن الألم دليلٌ على الهلاك. فقد ترى اليوم في أحداث حياتك خسارةً لا تُعوّض ، بينما تحمل الأيام في طيّاتها ما لم تكن تراه ولا تتوقّعه. أحسن الظنّ بالله ، و اصبر حين تضيق بك السبل ؛ فأنت لا ترى من الغيب إلا ما أُذن لك برؤيته ، و لعلّ فيما تكرهه نجاةً ، و فيما تحزن عليه حكمةً لا تدركها الآن.
3