تكملت الفصل الاول:
امتطى جواده، وعيناه معلّقتان على خيمته.
ولما اقترب، رأى أخاه جسار جالسًا عند مدخل الخيمة.
نزل من على فرسه، لم يتكلما.
وقف مسعود عند مدخل الخيمة، تنحنح، وهَمَّ بالدخول،
لكن جسار أوقفه:
"يا أخي... لا تدخل."
ارتجف قلب مسعود، لكنّ عينيه ظلّتا ثابتتين:
"أتنهاني عن الدخول، وفيها أهلي؟"
وضع جسار يده على كتفه وقال، والريح تمسح دمعةً لم يأبى أن تسقط منه:
"ما عادت الديار كما كانت يا مسعود... فقد خلت من أهلها."
سكنت الدنيا، أو هكذا ظنّ مسعود.
خفض عينيه، وهمس بصوت مكسور:
"أفترحلين... وتتركينني دون وداع؟"
قال جسار بصوت تخنقه الحرقة:
"وضعت الوليد ليلة أمس، ثم فارقت الحياة.
أبيتُ أن تُدفن، وأنت لم تودعها."
رفع مسعود بصره، واتجه إلى الخيمة وتمتم قبل أن يدخل
قائلاً :
"السلام على من في الخباء... أأُذن بالدخول، وإن كنت أعلم أن من فيه لا يجيب؟"
دخل دون انتظار إذن.
ولم يُسمع في الداخل سوى تنهيدة واحدة، كانت طويلة، لكنها لم تكن بكاءً... بل شيئًا يشبه الفقد، حين لا نجد له اسمًا.
وقف أمامها، لم يقترب فورًا، كأن بينه وبينها بحرًا من الوجع.
"يا زينب..."
ثم سكت كان الإسم أصبح ثقيلةعلى لسانه أو لأنه خشي أن لاترد عليه كما إعتاد منها .
"ما هكذا اتفقنا...
ما قلتِ إنك سترحلين قبل أن أشيخ على صدرك."
اقترب خطوة... فخطوة.
ثم جثا عند رأسها، ولم يعد ذلك الجبل الذي لا ينكسر.
كان عاشقًا مكسورًا.
"كنتِ تقولين إنني صلب كالصخر... فانظري الآن لحالي، يا من كسرتني
قائلاً :
"السلام على من في الخباء... أأُذن بالدخول، وإن كنت أعلم أن من فيه لا يجيب؟"
دخل دون انتظار إذن.
ولم يُسمع في الداخل سوى تنهيدة واحدة، كانت طويلة، لكنها لم تكن بكاءً... بل شيئًا يشبه الفقد، حين لا نجد له اسمًا.
وقف أمامها، لم يقترب فورًا، كأن بينه وبينها بحرًا من الوجع.
"يا زينب..."
ثم سكت كان الإسم أصبح ثقيلةعلى لسانه أو لأنه خشي أن لاترد عليه كما إعتاد منها .
"ما هكذا اتفقنا...
ما قلتِ إنك سترحلين قبل أن أشيخ على صدرك."
اقترب خطوة... فخطوة.
ثم جثا عند رأسها، ولم يعد ذلك الجبل الذي لا ينكسر.
كان عاشقًا مكسورًا.
"كنتِ تقولين إنني صلب كالصخر... فانظري الآن لحالي، يا من كسرتني."أخذ يلمس وجهها الذي يعشق كل تفاصيله ، كأنه يحفظ ملامحها.
ثم انهار على جنبها، يبكي كيتيم الذي لم يبق له أحد في دنيا ، ثم قال والعبرات تخنقه :
"أتذكرين حين كنت أجرح يدي وأرسم بدمي قلبًا لك؟
كنتِ تبتسمين، ثم تجزعين، وتعالجين جرحي.
الآن يا زينب... من يُعالجني؟
فؤادي ينزف، وأنتِ لستِ هنا."
ثم همس:
"أماه... أختي... زوجتي... رفيقتي...
من تكونين، وقد كنتِ كل النساء في امرأة واحدة؟"
وضع رأسه على صدرها، لا بحثًا عن نبض، بل ليودع نفسه والموت لم يأخذ روح زينب فقط بل أخذ معها روح مسعود.
"يا زينب... إن كنتِ تسمعينني من وراء الموت، فاعلمي أني كسرت.
وهذه الكلمة ما قلتها لأحد غيرك."
نهض بصعوبة، ونظر إليها.
"ما عاد لي وطن ولا بيت... كنتِ أنتِ كل ذلك."ثم خرج من الخيمة، وسحب الستار خلفه،
لكنه لم يغلقه...
علّ القدر يندم، ويرجعها.
في خيمة جسار، كانت بثينة تتحرك بلا هدوء.
تنظر إلى الرضيع، ثم إلى الخارج، ثم إلى نفسها.
منذ جاؤوا بالصغير، لم يرضع من أحد، ولا منها.
وما حدث ليلة ولادته لا يزال يلاحقها.
هل رأت نواهد حقًا؟
هل يمكن أن تقوم الميتة من قبرها؟
هي رأتها،
لكنها لن تخبر أحدًا.
حاولت مجددًا إرضاعه.
رفعت الطفل إلى صدرها،
لكنه لم يتحرك، لم يلتفت، لم يبكِ... فقط أشاح بوجهه.
"ما لك لا ترضع...؟"
لكن صوتًا ارتجّ داخل الخيمة، جعل قلبها يهوى:
"لن يرضع منكِ... ولا من غيرك."
"اللبن الذي يحتاجه لا يجري في صدوركن."
تجمّدت بثينة.
نواهد كانت هناك،
ومدّت يدها وأخرجت قنينة، رائحتها غريبة، كالمسك والدخان.
أعطتها لبثينة.
"أرضعيه من هذا."
فعلت، فأخذ الرضيع يشرب بنهم، ثم نام.
واختفت نواهد، كأنها لم تكن.
ومُنذ ذلك اليوم، كلما جاع الولد، وجدت بثينة القارورة ممتلئة، تنتظره.
في اليوم الثالث، جاء إلى المضارب رافع بن قرملة، والد زينب.
رجل أكل الشيب رأسه طويل القامة غليظ المنكبين يجر من خلفه عباءة من وبر الإبل، كان اسمه رافع بن قرملة والد زينب ،
رجلٌ قيل أنه يعرف السحر و أنه يرى مالا يُرى
ترك حياة البذخ والسيادة وظل يجوب الفيافي والوديان المهجورة فقال عنه الناس "أصابه جنون أو مسّ من شيطان "
دخل رافع إلى الخيمة، وما إن رأى حفيده حتى اقترب منه وجثا عند رأسه، وحدّق في عينيه.
"في عينيك سهوٌ لا يعرفه الرضَّع...
أنت رأيت قبل أن ترى، وسمعت ما لا يُسمع."
أخرج من عنقه قلادة فيها حجر أسود وعلقها على عنق الصبي.
ثم التفت إلى مسعود وقال:
"إياك أن تنزعها عنه.
هذا الحجر طُمس به وادٍ قديم... إن زال عنه ، زال الغطاء عمّا تحته."
وغادر... دون أن يقف على قبر ابنته.
وفي اليوم الخامس،
إجتمع بعض من رجال قبيلة بني مراوح لتسمية الغلام
فإقترح كبيرهم "غيث" وقال آخر "ثابت " غير أن صوتًا أجش طغى على المكان وقال :" أسموه حارث بن مسعود ...فهو سيحرث رمالا لم تطأها قدمُ وسيجني زرعامن نارٍ وأَثَر " كان ذلك الصوت لرافع العائد من الصحراء ، توجس الحضور من كلامه ولكنهم لم يعارضوا وتم الأمر .
مرّت سبعة أيام كأنها دهر بأكمله، وكلّ يوم منها أثقل من الذي قبله. كان مسعود خلالها يلتزم الصمت الصلب، لا يقترب من الرضيع، لا ينظر إليه، لا يسمع بكاءه ولا يسأل عن نومه، فقط يطلب من أخيه جسار كل صباح:
"خذ الولد إلى خيمتك ، ثم أعده عند المغيب."
وكأن الطفل شيء لا يعنيه، أو كأنه يهرب من حقيقة لا يريد أن يراها في عيني هذا المولود.
كان جسار يطيع، دون أن يعقّب، يذهب به ويعود، لكنه كان يرى في وجه أخيه شيئًا يتشقق كل يوم، حجارةً تنهار بصمت خلف جدار الكبرياء.
وفي اليوم السابع، حين عاد جسار بالطفل كما يفعل دائمًا، وعندما دلَفَ للخيمة وقف مواجهةً أخاه الجالس وقال بنبرة مملوءة بالعتب والرحمة:
"أتعرف، لم أرك تلمسه حتى الآن... يا مسعود، هو لم يأخذها منك.


8
2 comentarios
