الفصل الأول: حين ولدت الرياح في قلب الرمال
"يا أرض اشهدي أني جئتك طائعًا،
ويا رياح احملي اسمي في صمت إلى حيث لا اسم لي."
كانت الليلة قائمةً على غير عادة ليالي الصحراء، السماء مكتومة لا نجم يُرى ولا قمر، والرياح تلفح الوجوه كأنها تنذر بأمر لا يُدرك. الرمال تنبض تحت الأقدام، كأن في جوفها قلبًا استيقظ بعد نوم طويل.
في مضارب قبيلة بني مراوح، كانت الخيام نائمة، إلا خيمةً واحدة كانت تأنُّ بالصراخ.
زينب بنت رافع، حفيدة الكاهن الأكبر في القبيلة، وزوجة مسعود بن سدار، كانت تضع حملها الأول.
ورغم نسبها ومقامها، إلا أن هذا لم يكن ليردع عنها ما كان قادمًا.
لم تكن الولادة كأي ولادة،
الدم سال كسيل من الجمر.
والغلام مستعصٍ لا يخرج.
العجائز يتبادلن النظرات، والقابلة تهمس وهي تبكي:
"أعينٌ وُضعت عليكِ يا ابنتي... أو لعنة."
فقالت أخرى بصوت مرتجف وجسد ينتفض:
"بل شيء أكبر... لا امرأة تلد بهذه الكيفية إلا إن كانت تفرغ من رحمها مخلوقًا ليس ببشر."
وفي اللحظة التي خرج فيها الطفل،
صمت المكان.
لا بكاء، لا صوت.
حتى الريح توقفت، كأن أحدًا أمرها بالصمت.
الرضيع فتح عينيه أولًا، ثم أدار رأسه نحو القابلة، ثم أغلقهما... كأنه رأى ما يكفيه.
زينب لم تصرخ، لم تبكِ، لم تتنهد.
كانت جثةً دافئة، بعينين مفتوحتين فيهما نظرة مرعبة كأنها رأت شياطين الأرض قبل أن تفارق الحياة.
وما إن اقتربت القابلة منها، وجثت عند رأسها لتتأكد من موتها، حتى اهتزت الأرض اهتزازًا لا يُرى... بل يُحس.
قالت القابلة وهي تغلق عيني زينب، ودموعها تنساب:
"لقد وَلدتِ شيئًا أزعج الأرض يا ابنة رافع."
في خيمة مظلمة، حيث وُضعت زينب ممددة وبجانبها الرضيع، كما جرت عادة القبيلة، استعدّت العجوز لوضع الكحل في عينيها، لكن زينب شهقت.
لم تستيقظ، بل عادت نصف حية.
تحدّثت بصوت لا يشبه صوتها:
"عاد النسل النقي... اجعلوه يحيا، فلنا فيه وعدٌ قديم."
ثم ماتت من جديد، وهذه المرة... بلا عودة.
القابلات أبَيْن أن يغسلنها. آثرْنَ أن تُدفن كما هي.
لكن العجوز نواهد و التي ظهرت فجأةً نَهرتهنَّ بصوتٍ لم يُسمع منذ دهر.
النسوة إسودة وجوههن ، وإرتعشت أجسامهن ليس لما رأوه من زينب بل لأن نواهد ...ماتت منذ أكثر من عشر سنين .
إقتربة من جثمان زينب وتأملته لبرهةٍ ثم التفتت إليهن وقالت بنبرة أقرب للتهديد:
"من رأى... فلينسَ. ومن سمع... فليكتم. هذا عهدٌ عليكن. ومن أخلفه، فلن يجد مرقدًا تحت التراب، ولن يغمض له جفن إن مات."
ثم أشارت إلى امرأة وقالت:
"اخرجن... ولتبَقَ أنتِ يا بثينة."
وكانت بثينة زوجة جسّار، شقيق مسعود.
جزعت بثينة، لكنّها بقيت.
نظرت لباب الخيمة المغلق، وكأنها تفكر بالهرب، ثم انصاعت.
حملت نواهد الرضيع من جانب أمه وقدمته لبثينة التي إلتقطته بيد راجفة
ثم
أكملت نواهد تغسيل زينب، مرّرت الماء على شعرها الأسود الطويل، ثم كحّلت عينيها وغطّتها بغطاء أبيض نُقش عليه رموز غريبة بالأحمر.
وقبل أن تخرج من الخيمة قالت، دون أن تلتفت:
"أخبري أهل بيتها أن يدفنوها بعد أن ينتصف القمر."
ثم اختفت.
كانت الشمس تغور ببطء، تنثر آخر ضوء لها على أطراف الخيام، حين ظهر رجل مهيب، طويل القامة، شامخ النخلة، حادّ المحيا، عيناه كعيني ذئب.
كان مسعود بن سدار


11
0 commentaire
