Comunidad
زيــ𝒁𝒆𝒊𝒏ـــن✍︎ @zad ·
(((((((حين يصمتُ الصقر))))))))) الفصل الأول — الرجل الذي لم يدفن لم يكن أبي يخاف الموت. كان يخاف أن يُدفن. عرفت ذلك في الليلة التي عاد فيها إلى البيت للمرة الأخيرة، قبل أن يختفي من حياتي إلى الأبد. كنت في الثالثة عشرة. لم أفهم يومها لماذا دخل غرفتي دون أن يشعل المصباح، ولماذا بقي واقفًا عند الباب وقتًا طويلًا، ينظر إليّ كأنه يحاول أن يحفظ وجهي. كان وجهه مغطى بالغبار. وعلى كتفه جرح لم أرَ مثله من قبل. لكنه لم يبدُ متألمًا. كان يبدو... خائفًا. اقترب مني، ووضع خنجره في يدي. قال: — إذا سألك أحد عن هذا، قل إنك ما شفته بحياتك. نظرت إلى الخنجر. كان قديمًا، مقبضه أسود، وفي نصله نقش صغير بالكاد يُرى. دائرة يتوسطها خط مائل. رفعت رأسي. — شو يعني هالرمز؟ لم يجب. جلس أمامي، وأمسك كتفي بكلتا يديه. كانت يداه ترتجفان. وهذه كانت المرة الأولى التي أرى فيها أبي يرتجف. قال: — اسمعني منيح يا زين. سكت لحظة. ثم قال: — إذا متّ... لا تدفني. ضحكت. ظننته يمزح. لم يضحك. — وإذا سألوك عني؟ — شو بدي قول؟ نظر إلى النافذة. كان الليل خلفها أسود بشكل غريب، والريح تضرب جدران البيت. ثم عاد ينظر إليّ. — قول إني رحلت. — لوين؟ قالها بصوت لم أسمعه منه من قبل: — للمكان اللي ما لازم حدا يوصل له. ثم نهض. وقبل أن يخرج، التفت إليّ. كانت تلك آخر مرة رأيت فيها وجهه. قال: — وإذا سمعت يومًا حدا يحكي عن السماء السوداء... توقف. كأن الكلمة نفسها أخافته. — لا تسمع الباقي. ثم خرج. ولم يعد. --- بعد سبع سنوات، كنت واقفًا أمام قبره. أو بالأصح... أمام القبر الذي صنعناه له. لم يكن في القبر جثمان. لم نجد جثمانه أصلًا. وجدوا حصانه على بعد ثلاثة أيام من القبيلة. وجدوا سيفه. وجدوا عباءته. أما هو... فلم يجدوا منه شيئًا. ومع ذلك دفنّاه. فالقبور أحيانًا لا تُبنى للموتى. بل للأحياء الذين لم يستطيعوا احتمال فكرة أن أحباءهم ما زالوا في مكان ما، تحت سماء أخرى. وضعت يدي على شاهد القبر. كان الصخر باردًا. قلت: — مرّ سبع سنين. لم يجبني أحد. وخلفي، رفرف جناحان. استدار زين. كان أَجْدَل واقفًا على غصن يابس. صقرًا حقيقيًا، بريش داكن وعينين لا تعرفان الرحمة. كان قد رافقني منذ كنت صغيرًا. ولم أفهم يومًا لماذا بقي معي. لكنه في تلك اللحظة لم يكن ينظر إليّ. كان ينظر خلفي. نحو الصحراء. اتبعت نظره. وفي البداية لم أرَ شيئًا. ثم ظهرت نقطة سوداء عند الأفق. حصان. رجل يمتطيه. كان يقترب ببطء. ببطء شديد. حتى صار بإمكاني رؤية راية صغيرة مربوطة خلف سرجه. سوداء. وفي وسطها... دائرة يتوسطها خط مائل. توقفت أنفاسي. للمرة الأولى منذ سبع سنوات، تذكرت يد أبي وهي تمسك كتفي. إذا رأيت الرمز على راية... اهرب. لم أهرب. لا أعرف لماذا. ربما لأنني قضيت سبع سنوات أبحث عن رجل لم أعرف إن كان ميتًا أم حيًا. وربما لأنني كنت قد تعبت من الهرب من الأسئلة. رفع الرجل يده. توقّف الحصان. وكان بيننا مئات الأمتار. ثم فعل شيئًا جعل الدم يبرد في عروقي. أخرج شيئًا من تحت عباءته. ووضعه على الأرض. ثم استدار وعاد من حيث أتى. لم أتحرك. انتظرت حتى اختفى. بعدها اقتربت. كان الشيء ملفوفًا بقطعة قماش قديمة. فتحته. سقط أمامي خنجر. خنجر أبي. نفس المقبض الأسود. نفس النقش. لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر. ورقة صغيرة مربوطة حوله. فتحتها. لم يكن فيها سوى سطر واحد. بخط أبي. خط أعرفه أكثر مما أعرف وجهي. > "يا زين... إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في دفن الحقيقة." قرأت السطر مرة. ثم مرة ثانية. وفي المرة الثالثة... سمعت أجدل يصرخ. رفعت رأسي نحو السماء. كان يطير بعيدًا عني. ولم أفهم لماذا. حتى رأيت شيئًا آخر. شيئًا لم أره في حياتي من قبل. في أقصى الأفق، بدأت الشمس تختفي خلف غيمة سوداء هائلة. لم يكن غروبًا. كانت الشمس لا تزال مرتفعة. لكن السماء... بدأت تسود. وتذكرت آخر جملة قالها أبي قبل سبع سنوات: "إذا سمعت يومًا حدا يحكي عن السماء السوداء..." توقفت. ثم أكملت الجملة التي منعني من سماعها: "...فهذا يعني أن الوقت حان." وفي تلك اللحظة فقط، فهمت شيئًا واحدًا: أبي لم يختفِ. أبي كان ينتظرني. #villains
42 23 comentarios