Topluluk
همس ليل @darkmouse ·
الكاتب الكاتبُ ليسَ من يُجيدُ ترتيبَ الحروف، بل من يحملُ في صدرهِ ما لا يستطيعُ العالمُ احتماله. يمشي بينَ الناسِ بوجهٍ هادئ، وفي داخلهِ مدينةٌ تنهارُ كلَّ ليلة. يضحكُ معهم، ثم يعودُ إلى غرفتهِ ليجلسَ أمامَ الورق ويعترفَ لأحدٍ لا وجودَ له بكلِّ ما عجزَ عن قولهِ للبشر. الكاتبُ لا يكتبُ لأنَّ لديهِ ما يقوله، بل لأنَّ الصمتَ صارَ أثقلَ من أن يُحتمل. يستعيرُ قلبَهُ لشخصيةٍ، وذاكرتهُ لأخرى، ويمنحُ غرباءَ من خيالهِ أوجاعًا عاشَ بعضها، وأحلامًا ماتتْ فيهِ قبلَ أن تولد. وحينَ يكتبُ عن الفقد، لا تسألهُ من مات؛ فربما كانَ يدفنُ نسخةً قديمةً من نفسه. وحينَ يكتبُ عن الحب، لا تظنَّ أنهُ عاشَهُ؛ ربما كانَ يكتبُ عن الحبِّ الذي انتظرهُ طويلًا ولم يأتِ. الكاتبُ يعرفُ أنَّ بعضَ الجروح لا تُشفى، إنما تتعلّمُ كيفَ تتحولُ إلى استعارة. لذلكَ يكتب. يأخذُ خوفَهُ ويجعلهُ قصيدة، ووحدتَهُ رواية، وانكسارهُ شخصيةً تمشي بينَ الصفحاتِ دونَ أن يعرفَ أحدٌ أنها هو. وأقسى ما في الكتابة أنَّ الكاتبَ يستطيعُ أن يمنحَ أبطالهِ النهاياتِ التي حُرمَ منها. ينقذُ الغريقَ، ويعيدُ الغائبَ، ويجمعُ عاشقينِ افترقا، ثم يُغلقُ الكتابَ ويبقى وحده. فالكاتبُ، في النهاية، ليسَ من يكتبُ الحكايات؛ إنهُ من يعيشُ ألفَ حياةٍ دونَ أن يغادرَ مقعده، ويموتُ قليلًا مع كلِّ نهاية، ثم يولدُ من جديد حينَ يكتبُ السطرَ الأول من الحكايةِ التالية. ولهذا… إذا رأيتَ كاتبًا صامتًا، فلا تظنَّ أنَّه لا يملكُ شيئًا ليقوله. ربما كانَ في داخلهِ عالمٌ كاملٌ يصرخ، لكنهُ يبحثُ فقط عن الجملةِ الوحيدة التي تستطيعُ أن تنقذه.
0 yorum