رماد الوهم: عندما يُعمي الحبُّ القلوب
في بيئةٍ تتفتح فيها الأزهار وتشرق الشمس، كانت هناك فتاةٌ تشبه الحلم؛ بشرتها بيضاء كأول ثلجٍ يهطل على قمم الجبال، وعيناها خضراوان كأوراق الشجر في أوج نضارتها. كانت "فاطمة" ملاكًا يمشى على الأرض، يحمل براءة الدنيا وجمالها.
وفي يومٍ من الأيام، تقدم لخطبتها شابٌ يدعى "حسين". لم يكن حسين يملك وسامة الملوك ولا ثروات الأغنياء، لكنه كان يحمل في صدره حباً كبيراً لها. لم تهتم فاطمة بالمظاهر ولا بالمال، كان قلبه هو كل ما تبتغيه. وثقت به، وأعطته يدها وقلبها، وتزوجا وسط أمنياتٍ ببناء بيتٍ دافئ يُبنى على المودة.
لكن الأيام لم تدم بسلاسة... ففي لحظة طيشٍ وغضبٍ أعمى، رفع حسين يده ولطم فاطمة على وجهها ضربةً قاسية، ضربة لم تكسر ضلعًا فقط، بل أطفأت النور في عينيها إلى الأبد. سقطت فاطمة في عتمةٍ مطلقة، وغابت تلك العينان الخضراوان خلف حجب الظلام.
انهمر دموع الندم من حسين، وحاول بكل ما أوتي من قوة أن يعالجها أو يعيد لها ولو طيفًا من نور، لكن الأطباء قطعوا كل أمل: لا علاج لها. ورغم هذه الفاجعة، ورغم أن ضربته هي التي حرمتها من رؤية العالم، سامحته فاطمة بقلبها الكبير، واستمرت الحياة بينهما لسنوات طويلة سادها الصبر والسكون.
كانت فاطمة رغم عمى عينيها، تبذل المستحيل كي لا تُشعر حسين بعجزها؛ تتحسس بيديها الرقيقتين ثيابه لترتبها وتغسلها بدقة، تطهو له، وتستقبله بابتسامة تحفي خلفها كل الحزن. كانت تفعل الأفاعيل كي تثبت له أنها بجانبه، لكن حسين—ومع الأسف—اعتبر كل هذا الصبر أمرًا مسلمًا به، ولم يخطر بباله يوماً أن يهمس لها بكلمة شكر واحدة تُجبر بها خاطرها المكسور.
ومع مرور السنين، ظهرت في حياتهما امرأة أبدت لـ فاطمة الحب والاطفال، حتى أحبتها فاطمة واعتبرتها كأمها وأكثر. لكن خلف تلك الملامح الحنونة كانت تتخفى النوايا الخبيثة. بدأت تلك المرأة تهامس حسين يومًا بعد يوم:
"يا بني، أنت رجل تستحق زوجة ترتدي لك وتراك.. زوجة تدير بيتك بعينين بصريتين!"
تسللت تلك الكلمات كأفعى في عقل حسين، حتى استسلم لها وتزوج ثانية. لم تصدق فاطمة أن هذا جزاها بعد كل ما تحملته لأجله، لكن الأذى لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ بدأت العائلة تعيرها بعجزها، وأصبحت الأم تُسمِعها أغلظ الكلمات لأنها "لا ترى".
ثم احضر حسين إلى البيت زوجته الجديدة.. امرأة ذكية بأسلوب خبيث كأنها شيطانٌ يتشكل على هيئة إنسان. بدأت بتخطيطٍ مسموم لإبعاد حسين عن أطفاله وعن أهله، وحياكة الدسائس لتقليص وجود فاطمة في البيت. كان حسين يعلم في قرارة نفسه أن زوجته الجديدة تفتعل المشاكل وتصنع الفتن، لكنه بدأ ينجذب إليها ويميل مع هواها، متعللاً بأعذار واهية: "إن فاطمة لا ترى، وإنها مقصرة معي"—رغم علمه التام أنها لم تقصر يوماً في حقه.
وصل السيل بالزبى، ولم تعد فاطمة قادرة على تحمّل هذه النار الموقدة حولها. وفي لحظة انكسار شجاعة، واجهته وطلبت منه الطلاق: "دعني أذهب بما تبقى من كرامتي".
ولكن، ما إن سمع حسين رغبتها في الرحيل، حتى ثارت في داخله أنانية التملك. بدأ يتوسل إليها، ويصنع المبررات، ويؤكد لها أنه يحبها ولا يستغني عنها. وفاطمة—من شدة حبها الصادق والنقي الذي أعمى قلبها قبل عينيها—صدّقت كذبه مجددًا، وقررت البقاء.
اليوم، تعيش فاطمة في ذلك البيت، لكنها ليست سوى جثة تسير بلا روح، أغلقت عينيها عن العالم، وأغلق الحبُّ عقلها عن النجاة... تعيش في ظلام العين وجرح الروح، لا لشيء، إلا لأنها أحبت بصدقٍ شخصاً لم يستحق هذا الحب.


7
1 comment
