ماذا لو أحببتُ شخصًا في حالةٍ يُرثى لها؟
عيناه تحملان قدرًا كبيرًا من عدم الرضا.
هذا يثير اهتمامي حقًا.
ربما يملك وجهًا جميلًا، ولكن لماذا هو تائه هكذا؟
لا أظنه بخير.
لا يهتم بنفسه كثيرًا.
وجهه شاحب دائمًا، وعيناه متعبتان، وكأن النوم شيءٌ لم يعد يعني له الكثير.
يحمل كتابًا مختلفًا في كل مرة.
في البداية ظننت أنه يحب القراءة، لكنني مع الوقت بدأت أشك في ذلك.
كان يجلس دائمًا في المكان نفسه، والكتاب بين يديه، يقلب صفحاته ببطء، ثم يتوقف فجأة عند صفحة ما، وكأنه وجد شيئًا يبحث عنه.
لكن ماذا كان يبحث عنه؟
لم يكن يُنهي كتبه.
وكنت أراه في اليوم التالي يحمل كتابًا آخر.
رواية.
كتابًا في الفلسفة.
وأحيانًا كتابًا لا أفهم حتى عنوانه.
كان يتنقل بينها جميعًا، وكأنه يبحث عن شيء لا يعرف اسمه.
ربما كان يبحث عن نفسه.
لا أعرف لماذا بدأت أهتم بالأمر.
ربما لأنني رأيته كثيرًا.
أو لأن وجوده أصبح مألوفًا بطريقة غريبة.
أو ربما لأن الإنسان حين يرى شخصًا تائهًا، يشعر برغبةٍ غريبة في معرفة إلى أين كان يريد الوصول.
في أحد الأيام، ترك كتابه مفتوحًا على الطاولة وغاب للحظات.
لم أستطع منع نفسي من النظر إلى الصفحة.
كانت هناك جملة تحتها خطوط كثيرة، حتى كادت الصفحة تتمزق من كثرة ما مرّ عليها القلم.
«أعجبتك؟»
رفعت رأسي بسرعة.
كان واقفًا أمامي.
«ماذا؟»
أشار إلى الكتاب.
«الجملة.»
نظرت إلى الصفحة مرة أخرى.
«لا أعرف… لم أقرأها أصلًا.»
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أخذ الكتاب.
«إذًا لماذا كنتِ تنظرين إليها؟»
لم أعرف ماذا أجيب.
جلس في مكانه، وفتح الكتاب من جديد.
بعد لحظات، قلت:
«أنت لا تُنهي كتبك.»
توقفت يده عن تقليب الصفحة.
نظر إليّ.
«وأنتِ تراقبينني إذًا؟»
«ليس تمامًا.»
«إذًا؟»
فكرت قليلًا.
«ربما أراقب الكتب.»
نظر إلى الكتاب في يده، ثم إليّ.
«وهل وجدتِ فيها شيئًا؟»
هززت رأسي.
«لا.»
عاد إلى القراءة.
«وأنا أيضًا.»
لم أفهم ما قصده.
لكني، منذ ذلك اليوم، بدأت أتحدث إليه أحيانًا.
لم يكن كثير الكلام، ولم أكن أنا كثيرة الأسئلة.
كنت أسأله عن الكتاب الذي يحمله، فيجيبني باسم الكتاب فقط.
وفي اليوم التالي، أجده يحمل كتابًا آخر.
حتى بدأت أعتاد رؤية الكتب بين يديه أكثر من رؤيتي لوجهه.
وذات مرة، لم يأتِ.
انتظرتُ.
لا أعرف لماذا.
قلت لنفسي إنني اعتدت وجوده فقط، وإن غيابه لا يعني شيئًا.
لكنه لم يأتِ في اليوم التالي أيضًا.
ولا الذي يليه.
وحين عاد، كان وجهه أكثر شحوبًا من المعتاد.
جلستُ أمامه.
«أين كنت؟»
رفع عينيه عن كتابه.
«في المنزل.»
«كنت مريضًا؟»
هز رأسه نافيًا.
ثم سكت قليلًا.
«كنت متعبًا فقط.»
نظرت إليه.
للمرة الأولى، لم أجد في عينيه ذلك القدر من عدم الرضا.
وجدت شيئًا آخر.
استسلامًا.
ولم أعرف لماذا أحزنني ذلك.
بعدها بدأت ألاحظ أشياء لم أنتبه إليها من قبل.
الطريقة التي يمرر بها يده على وجهه حين يظن أن لا أحد يراقبه.
الصمت الطويل الذي يسبق إجاباته.
الصفحات التي يعيد قراءتها أكثر من مرة.
والكتب التي يتركها مفتوحة على الطاولة، وكأنه ينتظر منها جوابًا.
بدأت أفهم شيئًا.
ربما لم يكن يقرأ بحثًا عن قصة.
كان يبحث عن إجابة.
وربما كنت أفعل الشيء ذاته.
لم أكن أبحث عنه في البداية.
كنت فقط أبحث عن سبب يجعلني أنظر إليه كل يوم.
ثم مرّ الوقت.
ولم أعد أتساءل لماذا هو تائه.
أصبحت أتساءل إلى أين يمكنني أن أذهب معه.
وهنا أدركت شيئًا أخافني قليلًا.
لم أعد أريد أن أعرف ما الذي يبحث عنه في تلك الكتب.
كنت أريد أن أكون الشيء الذي يتوقف عن البحث عنه حين يجده.
ليس لأنني أستطيع إنقاذه.
ولا لأنني أظن أن الحب قادر على إصلاح كل شيء.
بل لأنني، بطريقة لا أفهمها، بدأت أحب ذلك الإنسان الذي لم يكن بخير.
أحببت شحوب وجهه.
صمته.
تعب عينيه.
حتى تلك الكتب التي لم يكن ينهيها.
أحببت كل الأشياء التي كان يحاول إخفاءها.
وفي يومٍ ما، أغلق كتابه ونظر إليّ.
«لماذا تنظرين إليّ هكذا؟»
ابتسمت.
«لا أعرف.»
ظل ينظر إليّ للحظات.
ثم قال:
«غريب.»
«ماذا؟»
خفض عينيه إلى كتابه.
«أن يراك أحدهم… وأنت تحاول طوال الوقت ألا يراك أحد.»
لم أعرف ماذا أقول.
لكني عرفت شيئًا واحدًا.
ربما لم يكن هو الشخص الذي وجدته في الكتب.
ربما كنت أنا من وجدته فيه.
وربما…
كان الحب، في النهاية، ليس أن تجد شخصًا كاملًا.
بل أن ترى كل هذا الخراب في شخصٍ ما،
ثم تجد نفسك راغبًا في الجلوس إلى جواره قليلًا…
حتى يصبح الصمت أقل قسوة.
#Wendy
#CORELIGHT
#كتابات_كورلايت
#سل_قلمك
#محبرة_كاتب
#ضائع_بين_الذكريات


19
4 yorum
