أشدّ ما يُربك القلب ليس الغياب ، بل الحضور المتقطّع ، أن يأتيك أحدهم بمشاعرٍ تشبه اليقين ، ثم يمضي منك بطريقةٍ تجعلك تشكّ في كل ما سبقها.
فمرّةً يفتحُ لك من قلبه نافذةً واسعة ، حتى تظنّ أنك أصبحتُ جزءًا من رُوحه ، ومرّةً أخرى يغلقها دون تفسير ، فتقف أمامها متسائلًا:
أكان ما رأيته ضوءًا حقًا؟ أم أنني كنت أحتاج إلى رؤيته فحسب؟
ثمّة أشخاص لا تستطيع أن تسمي علاقتُك بهم ، لا هم قريبون بما يكفي لتطمئن ، ولا بعيدون بما يكفي لتنسى.
يقتربون حين تبتعد ، ويبتعدون حين تطمئن إلى اقترابهم ، وكأن المسافة بينهم وبينك ليست مكانًا ، بل مزاجًا يتبدّل.
والأغرب أنك لا تشكّ في مشاعرهم وحدها ، بل تبدأ في الشكّ في قراءتك لها..هل كانت تلك اللهفة صادقة؟
هل كان الاشتياق عابرًا؟
هل يعني الصمت فتورًا؟ أم أن وراءه شيئًا لا يُقال؟
وربما كانت الحقيقة أبسط وأقسى من كل التأويلات ، أن بعض القلوب تشعر كثيرًا ، لكنها لا تعرف كيف تثبت على شعورها.
تحبّ في لحظة ، وتخاف في أخرى ، فتترك الآخر عالقًا بين إشارتين إحداهُما تقول اقترب ، و الأُخرى تقول لا تتعلّق.
وهنا يتعلّم الإنسان أن صدق الشعور وحده لا يكفي دائمًا ؛ فما قيمة محبةٍ لا تمنح صاحبها وضوحًا؟
وما معنى القرب إن كان يتركك كل مرةٍ أمام السؤال ذاته؟
ليس كل من عاد مشتاقًا يعرف كيف يبقى ، وليس كل من ابتعد قد كفّ عن الشعور. بعض الناس يحملونك في قلوبهم ، لكنهم لا يعرفون كيف يحملون مسؤولية وجودك في حياتهم.
وربما كان أصعب ما في الأمر أنك لا تبحث عن حبٍّ أكبر، بقدر ما تبحث عن شعورٍ لا يجعلك كل ليلةٍ تعيد تفسير الأمس.


13
0 yorum
