حين يسقط القناع
ليس كلُّ وجهٍ نراه هو الوجه الذي وُلد به صاحبه.
فمنذ أن عرف الإنسان أن العالم لا يرحم ضعفه، بدأ يتعلّم كيف يخفيه. ابتسم حين أراد البكاء، وصمت حين كان في داخله كلامٌ يكفي لسنوات، وتظاهر بالقوة في اللحظة التي كان يتمنى فيها لو أن أحدًا قال له: لا بأس، يمكنك أن تتعب.
وهكذا بدأت الحكاية...
قناعٌ بعد قناع.
قناعٌ نرتديه أمام الغرباء كي لا يعرفوا عنا أكثر مما نريد، وآخر أمام الأصدقاء كي لا يروا فينا ما نخشى أن يغيّر صورتنا في أعينهم، وثالثٌ نُحكم إغلاقه حين تصبح الحقيقة أثقل من أن تُقال.
نحن لا نرتدي الأقنعة دائمًا لأننا مخادعون، بل لأن في داخل كل واحدٍ منا شيئًا يخشى عليه من أعين الآخرين.
هناك من يلبس قناع اللامبالاة لأنه اهتم أكثر مما ينبغي، ومن يتظاهر بالقسوة لأنه ذاق من اللين ما جعله يخشى أن يُلدغ منه مرةً أخرى، ومن يملأ حديثه بالضحك لأن الصمت قد يفتح بابًا لا يريد لأحدٍ أن يراه.
لكن أكثر الأقنعة خفاءً ليس ما نرتديه أمام الناس...
بل ما نرتديه أمام أنفسنا.
فقد ينجح المرء في إقناع الجميع بأنه بخير، ثم يعود إلى وحدته، فيجلس أمام نفسه طويلًا، وكأن بينه وبين الحقيقة مرآةً لا يستطيع النظر إليها.
ومع كثرة ارتداء الأقنعة، يحدث شيء لا ننتبه إليه إلا متأخرين:
ننسى أيّ وجهٍ كان لنا قبل أن نبدأ بالاختباء.
نعتاد الشخصية التي صنعناها حتى تصبح أثقل من الحقيقة، ونخشى خلعها لا لأننا نحبها، بل لأننا لا نعرف ماذا سيبقى منا بعدها.
وقد يصفّق الناس لقناعك طويلًا، حتى تنسى أنك أنت الذي صنعته.
ثم يأتي يومٌ تسأل فيه نفسك:
هل أحبّني الناس فعلًا، أم أحبّوا النسخة التي صنعتها لهم؟
وهنا لا يعود السؤال عن الآخرين، بل عنك أنت.
فكم مرة قلت: «لا يهمني» وكان يهمك؟
وكم مرة قلت: «أنا بخير» وأنت تعرف أنك لست كذلك؟
وكم مرة ابتسمت كي لا يسأل أحد عن سبب حزنك؟
لسنا دائمًا كاذبين حين نفعل ذلك؛ أحيانًا نكون فقط متعبين من شرح ما لا يُفهم، ومن تبرير مشاعر لا نملك لها لغة.
ولعلّ الإنسان لا يحتاج إلى من يصفّق لوجهه الأقوى، بقدر حاجته إلى من لا يخاف وجهه حين يسقط عنه كل شيء.
شخصٌ يستطيع أن يراه ضعيفًا دون أن يحتقره، وحزينًا دون أن يطالبه بالتظاهر بالقوة، وصامتًا دون أن يفسّر صمته على أنه غرور.
فليس أعظم الأمان أن تجد من يحب ابتسامتك، بل أن تجد من لا يخاف دمعتك.
ولأن بعض ما نعجز عن قوله نكتبه، لعلّ القلب قال قبل اللسان:
نُخفي جراحَ الروحِ خلفَ تبسُّمٍ
ونظنُّ أنَّ الصمتَ يسترُ ما بنا
حتى إذا ضاقتْ علينا أقنعةٌ
نطقتْ ملامحُنا: كفانا ما بنا
لكن الأقنعة، مهما طال بقاؤها، لا تصبح وجهًا.
والحقيقة لا تموت لأنها اختبأت طويلًا؛ إنها تنتظر فقط لحظةً يضعف فيها الخوف.
وربما تأتي تلك اللحظة حين تخلو بنفسك، حين لا يبقى أحدٌ لتثير إعجابه، ولا أحدٌ تخشى حكمه، ولا صورةٌ تحاول الحفاظ عليها.
هناك، أمام المرآة التي لا تصفق ولا تجامل، ستدرك أن أصعب شخصٍ كنت تحاول إقناعه طوال هذه السنوات لم يكن العالم...
بل أنت.
وحين يسقط القناع أخيرًا، قد لا تجد وجهًا مثاليًا تحته.
ستجد إنسانًا أخطأ، وخاف، وتعب، وانكسر، ثم نهض.
ستجد وجهًا لم يكن يحتاج إلى الكمال بقدر ما كان يحتاج إلى الصدق.
وجهًا لا يحمل ملامح الدور الذي أدّيته، ولا آثار الصورة التي حاولت أن تصنعها في أعين الآخرين.
وجهك أنت.
وذلك الوجه، بكل ما فيه من نقصٍ وصدق، ربما يكون أجمل وجهٍ امتلكته يومًا؛
لأنه للمرة الأولى...
ليس مضطرًا لأن يتظاهر بأنه شيءٌ آخر.
#كتابات_الهائج
#RAGING
#Ayash


17
コメント 2件
