﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌
لعلّ أكثر ما يربك المرء في الوجوه، أنّ بعضها لا يكذب حين يتبدّل؛ إنما يكشف في كلّ تبدّلٍ ناحيةً أخرى من الحقيقة. وقد يعيش الإنسان أعوامًا وهو يظنّ أنّ وجهه واحد، حتى تضطرّه الحياة إلى أن يوزّع روحه بين ملامح لا تشبه بعضها، ثم يقف ذات مساءٍ عاجزًا عن تذكّر أيّها كان له قبل أن يتعلّم النجاة.
وربما لم تكن شيسوي تعرف، وهي تضحك بذلك القدر من الخفّة، أنّ الضحك نفسه قد يصبح ذات يومٍ هيئةً من هيئات التخفي.
كانت شَموسًا، طليقةَ المحيّا، أريحيّةَ الطبع، مستطابةَ الأنس، كثيرة الضحك على نحوٍ يجعل خفّتها تبدو سجيةً لا حيلةً، فيما ظهرت روران في الجهة الأخرى من الحكاية امرأةً يكسوها الوقار حتى ليخيّل للناظر أنّ الهدوء طبعها الأول، وأنّ الحزن لم يجد إليها سبيلًا قط.
لكنّ شيسوي لم تكن مجرد خادمةٍ مرحةٍ في القصر، كما لم تكن روران مجرد امرأةٍ رفيعة المقام ترتدي الصمت كما يُرتدى الحرير؛ كانت شيسوي الجزء الذي بقي قادرًا على الابتهاج حين تعذّر الابتهاج، وكانت روران الجزء الذي تعلّم أن يبتلع ارتعاشه قبل أن يراه أحد. الأولى تمشي بين الخدم بخفةٍ لا تستدعي السؤال، والثانية تحيط بها منزلةٌ تجعل كل التفاتةٍ منها محسوبة، وبين الخفّة والهيبة كانت امرأةٌ ثالثة تختبئ، لا تُرى كاملةً إلا إذا اجتمع الاسمان في موضعٍ واحد.
كان في شيسوي شيءٌ من الربيع الذي لا يستأذن الفصول، وفي روران شيءٌ من نافذةٍ أُغلقت طويلًا حتى تراكم على زجاجها غبار الأعوام؛ ومع ذلك لم تكن ابتسامة شيسوي نقيضًا لحزن روران، بل كانت صورته الأخرى، فكلما اتسعت الأولى، بدا كأنّ الثانية دفعت ثمن ذلك الاتساع في مكانٍ لا يراه أحد.
ولعلّ أشدّ ما يوجع في روران أنّها لم تكن امرأةً تجهل الفرح، بل امرأةً تعرفه معرفةً تجعل فقدانه أوجع؛ فالدموع التي لم تسمح لها عيناها أن تفضحاها كانت، في جهةٍ أخرى من روحها، تتحول إلى ضحكات شيسوي. وما كان القصر يراه خفّةً عابرةً في فتاةٍ من الخدم، كان يمكن أن يكون بقايا فرحٍ استُنزف من امرأةٍ لم يكن لها أن تُظهره في موضعها الحقيقي.
ثم انكشفت المسافة بين الاسمين، لا بوصفها حيلةً محكمةً فحسب، بل بوصفها العمر الذي احتاجته امرأةٌ كي تبقى امرأةً وهي تؤدي أكثر من حياةٍ في وقتٍ واحد. شيسوي كانت اليد التي تمتدّ إلى العالم بلا اكتراثٍ ظاهر، وروران كانت اليد التي تُخفي ما ارتجف فيها قبل أن تصل إليها الأنظار؛ وكلتاهما، في العمق، كانتا تعرفان شيئًا واحدًا لا يعرفه القصر، وهو أنّ الإنسان قد ينجو من انكشاف سره، لكنه لا ينجو دائمًا من ثقل السرّ حين يطول حمله.
ثم جاءت النهاية.
لم تعد روران في تلك اللحظة بحاجةٍ إلى أن تكون عالية المقام، ولم تعد شيسوي بحاجةً إلى أن تكون الخادمة الضحوكة؛ اجتمع الاسمان في جسدٍ واحد، كأنّ السنوات التي فرّقتهما أرادت، للمرة الأخيرة، أن تعيدهما إلى الأصل. كانت الرقصة هناك، على حافة السور، أقلّ شبهًا بعرضٍ يُؤدّى للعيون وأكثر شبهًا بشيءٍ قديمٍ خرج من قاع الروح حين عجز الكلام عن حمله.
بدأت روران تتحرّك، فكان في حركتها شيءٌ من شيسوي التي عرفناها قبل أن نعرف ثقل اسمها الآخر؛ خفةٌ لا تخلو من عبثٍ، وانسيابٌ فيه تلك النزعة الشموس التي كانت تجعل حضورها أوسع من مقامها. غير أنّ الفرح هذه المرة لم يكن صافيًا، كان يمرّ خلال الحزن كما يمرّ الضوء في ماءٍ عكر، فيضيء شيئًا ويترك أشياء أخرى في قاعه.
ثم انقلبت الرقصة شيئًا فشيئًا، وصارت روران أوضح من شيسوي؛ ظهرت فيها المرأة التي عاشت طويلًا وهي تعرف أكثر مما ينبغي، وتفهم أكثر مما تستطيع قوله، وتحمل من أبيها وماضيها وما أُريد لها أن تكونه ما يكفي لأن يصبح الصمت عندها نوعًا من الكلام. لم تكن خطواتها آنذاك تبحث عن تصفيقٍ ولا عن نجاة، بل كانت تنتزع من جسدها تلك الهيئة التي فُرضت عليه حتى لم يعد أحدٌ يسأل أين انتهت روران وبدأت شيسوي.
وحين استمرّت في الرقص رغم ما أصابها، لم أرَ امرأةً تتحدّى نهايتها بقدر ما رأيت امرأةً ترفض أن تجعل آخر ما يملكه العالم منها هو قدرتها على اختيار هيئة وداعها. كانت تدور، وفي كل دورةٍ يعود وجهٌ من الماضي ثم يغيب؛ شيسوي بضحكتها المضيئة، وروران بعينيها المثقلتين بما لم تسمح لهما أن تفيضاه، وبينهما تلك المرأة التي لم تكن تريد من العالم شيئًا سوى أن يترك لها لحظةً لا تكون فيها ابنةً لأحد، ولا خادمةً لأحد، ولا سيدةً في مقامٍ يفرض عليها هيئةً بعينها.
وحين بلغت الرقصة مداها الأخير، لم يعد الفرح والدمع متناقضين كما نظنهما في البداية؛ كانا وجهين للشيء نفسه. كانت شيسوي تضحك في مكانٍ ما داخلها، لا لأنّها سعيدة، بل لأنّها أخيرًا خرجت إلى العلن من غير أن يملك أحدٌ القدرة على إعادتها إلى موضعها القديم. وكانت روران تحمل في ذلك الخروج حزنًا مغمورًا بقهرٍ قديم، حزن امرأةٍ تعرف أنّها وجدت نفسها في اللحظة التي لم يعد فيها للعثور عليها جدوى.
ثم جاءت اللحظة الأخيرة، وانقطع ما كان يصل الجسد بالحركة، لا الروح بما أرادته تلك الحركة أن تقوله.
مالت روران نحو الفراغ، وبدا القصر خلفها كأنّه صفحةٌ أُغلقت دون أن يُسأل أحدٌ إن كان قد انتهى من قراءتها. وفي وجهها، قبل أن يغيب، بقي شيءٌ من شيسوي؛ ذلك الفرح الصغير الذي ظلّ عصيًّا على القصر، كأنّ الفتاة الضحوكة لم تكن تخدع أحدًا طوال الوقت، بل كانت تحرس آخر موضعٍ لم تستطع الحياة أن تفسده فيها.
وهكذا لا تبدو الرقصة، في لغتنا، رقصةَ امرأةٍ أرادت أن تجعل موتها جميلًا؛ بل رقصة امرأةٍ استردّت، للمرة الأولى والأخيرة، حقها في أن تكون الشخص نفسه الذي أخفته طويلًا وراء اسمين.
سقطت روران،وبقيت شيسوي في الضحكة التي لم يستطع القهر أن ينتزعها منها؛ ولعلّ ذلك هو أكثر ما يجعل النهاية موجعة، أن الفتاة التي بدت طوال حياتها أسعد الوجهين كانت تحمل في ضحكتها جنازةً مؤجلة، وأن المرأة التي حسبناها أكثرهما حزنًا كانت، في آخر الطريق، أقدرَهما على أن تترك للحياة شيئًا يضيء بعدها.
﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌
#أثر_أبريل
#سل_قلمك
#محبرة_كاتب
#كتابات_Luna_Artix
#رقصة_الحرية
#luna_artix


25
6 comments
