عابرة سبيل @Reen_x ·
!(رَقـصة الموت) 🌸كم وجهًا يحتاج المرء حتى ينجو من الحياة؟ وجهٌ يبتسم للغرباء، وآخرُ يصمت حين يضيق الكلام، وثالثٌ يتّشح بالقسوة حين لا يعود في اللين متّسعٌ للنجاة. ولعلّ أقسى ما يُبتلى به المرء، أن يطول به التخفّي حتى ينسى: أيُّ الوجوه كان وجهه الأوّل؟ وهذا ما كان في شيسوي؛ فتاةٌ مرحة، خفيفةُ الروح، تسبق ابتسامتها حضورها، كأنّ في صدرها ربيعًا عصيًّا على أفول القصر. شهدنا ضحكتها، وألفنا خفّتها، حتى حسبنا أنّ تلك الابتسامة هي شيسوي كلّها. ثم ظهرت روران، فإذا نحن أمام امرأةٍ أخرى؛ ساكنة الملامح، ثقيلة الحضور، يكتنفها من الهيبة ما يجعل المرء يحسب أنّ بينهما عمرًا لا اسمًا واحدًا. كانت شيسوي تملأ المكان حياةً، وكانت روران تملؤه رهبة. واحدةٌ تمشي بين الخدم بثوبٍ بسيط، والأخرى تقف في مقامٍ لا تبلغه الأيدي. وبينهما قصرٌ كامل من الأسرار. غير أنّنا لم نكن نعرف أن شيسوي وروران لم تكونا امرأتين، بل امرأتين اجتمعتا في روحٍ واحدة؛ واحدةٌ أبقت على ابتسامتها كي لا تفقد نفسها، وأخرى لبست القسوة كي لا يفترسها العالم. حتى جاءت تلك الليلة. وقفت روران فوق السور. كان الليل من حولها فسيحًا، والريح تعبث بثوبها، وتحت قدميها هاويةٌ لا تُمهل من يخطئ الخطوة. وخلفها كان القصر؛ ذلك القصر الذي شهد شيسوي تضحك، وروران تصمت، والمرأة نفسها تتنقّل بين وجهين حتى أنهكها حملهما. ثم... رقصت. وهنا لم تعد الرقصة حركةَ جسدٍ أمام أعينٍ مترقّبة، بل كانت اعترافًا. رفعت ذراعيها، وانسابت خطواتها على حافة السور، كأنّها لا تقف على شفير الموت، بل على عتبة عالمٍ لم تطأه من قبل. دارت، فخُيّل إليّ أن شيسوي عادت للحظة؛ تلك الفتاة التي عرفناها ضاحكةً، لعوبًا، كأنّ الحياة مهما عضّتها لم تستطع أن تنتزع منها خفّتها. ثم دارت، فعادت روران؛ المرأة التي علّمت وجهها أن يكون صلبًا كي لا ينكسر قلبها أمام أحد. ثم دارت مرةً ثالثة، وهذه المرة لم تكن شيسوي، ولا روران. كانت امرأةً مجرّدةً من الاسم، من المقام، من الثوب، من كل يدٍ أرادت أن ترسم لها هيئةً ثم تحاسبها إن خرجت عنها. كانت ترقص وكأنّ كل خطوةٍ تُسقط قيدًا؛ خطوةٌ للخادمة التي أُخفيت خلف اسمٍ لم يكن لها، وخطوةٌ لروران التي سُجنت خلف مقامٍ لم يختره قلبها، وخطوةٌ للفتاة التي ابتسمت كثيرًا كي لا يراها أحد وهي تتألّم. ثم أخذت الرقصة تشتدّ. لم تعد قدماها تطآن الأرض بقدر ما كانتا تنازعان الريح، وثوبها يتطاير حولها، وشعرها ينساب مع الهواء، ووجهها يحمل هدوءًا غريبًا؛ هدوء من بلغ موضعًا لا يعود بعده للموت سلطانٌ على الروح. ثم انشقّ الليل بصوت الرصاص... دَوِيٌّ... رصاصة... لكن لم تتوقف، استدارت، وكأنّ الطلقة لم تكن موجّهةً إلى جسدها، بل إلى ماضٍ أرادت أن تتركه وراءها. دَوِيٌّ آخر... ارتجف الجسد، ولم ترتجف الروح. واصلت. وكان في استمرارها شيءٌ أشدّ وقعًا من الصراخ؛ إذ كيف لامرأةٍ تعرف أنّ الموت يترصّدها أن تختار الرقص بدل الفرار؟ لأنها، في تلك اللحظة، لم تكن تطلب النجاة. كانت تطلب الحرية، كانت كل دورةٍ منها تقول ما عجزت عنه الكلمات: خذوا الاسم، خذوا المقام، خذوا القصر، خذوا كلّ ما شئتم، لكن لا تأخذوا منّي هذه اللحظة. ثم جاءت الرصاصة الأخيرة. وفي لحظةٍ واحدة، بدا كأنّ الزمن قد أمسك بأنفاسه. توقفت الرقصة، لا لأنّها أرادت التوقّف، بل لأنّ الجسد لم يعد يملك أن يكمل. مالت روران إلى الخلف، وانفتح خلفها الليل. للحظةٍ قصيرة، لم تعد فوق السور، ولم تكن قد سقطت بعد؛ كانت معلّقةً بين عالمين، خلفها حياةٌ لم تكن لها، وأمامها حريةٌ لا تعرف شكلها. ثم ابتسمت. ابتسامةٌ خاطفة، كأنّ شيسوي عادت إلى وجهها للمرة الأخيرة. وسقطت. سقطت روران من السور، لكنّ شيسوي لم تسقط؛ لأنّ الذي هوى في تلك اللحظة لم يكن روحها، بل الوجه الذي اضطرت إلى ارتدائه طويلًا. وربما لهذا كانت تلك الرقصة أجمل من أن تُسمّى رقصة موت. كانت رقصة امرأةٍ نزعت عن روحها آخر قيد، وتركته يسقط قبل جسدها. ومن يدري؟ لعلّ شيسوي، وهي تهوي، لم تكن تودّع الحياة. لعلّها كانت تودّع روران؛ تودّع المرأة التي حملت القسوة حتى آخر الطريق، ثم خلعتها في آخر خطوة. وهكذا انتهت الرقصة...لا حين سقط الجسد، بل حين لم يبقَ في الروح وجهٌ سوى وجهها الحقيقي. #رقصة_الحرية | #كتابات_العابرة | #قوافي_كورلايت | #محبرة_كاتب | #سل_قلمك | #فعاليات_Animesta #CORELIGHT
32 コメント 6件