Topluluk
ސاމ @A_S6 ·
رسالةً مني ألى الماضي، إلى كل شيءٍ مضى، ولم يأخذ معه أثره كاملاً، إلى الأيام التي ظننتُ أنها انتهت حين عبرت، فإذا بها بقيت في زاويةٍ ما من ذاكرتي، تنتظر لحظةً عابرة لتعود بكل تفاصيلها. إلى طفولتي التي لم أفهمها حينها، إلى تلك السنوات التي كنتُ أعيشها دون أن أعرف أنها ستصبح يومًا ما أكثر ما أشتاق إليه. إلى الضحكات التي كانت تأتي بلا سبب، والأيام التي كانت تبدو طويلة، ثم اكتشفتُ لاحقًا أنها كانت أقصر مما ينبغي. أكتب إليك الآن، لا لأستعيدك، ولا لأغيّر ما حدث، فالماضي لا يملك بابًا نعود منه، مهما وقفنا طويلًا أمامه. أكتب لأنني أخيرًا فهمت أن بعض الأشياء لا تنتهي حين نغادرها، بل تبقى معنا بصورةٍ أخرى، في طريقة تفكيرنا، في خوفنا، في صمتنا، وحتى في الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. كم من مرةٍ تمنيت لو أعود إلى لحظةٍ واحدة فقط، لا لأغيّرها، بل لأعيشها وأنا أعرف قيمتها. لألتفت أكثر، لأحفظ الوجوه، لأصغي للكلمات، لأنتبه لذلك الشعور الذي كان يمر بي دون أن أعرف أنه لن يتكرر بالطريقة ذاتها. يا ماضي، لم أعد أكرهك كما كنت أفعل. ولم أعد ألومك على كل ما أخذته مني. أدركت أنني كنتُ صغيرة على فهم بعض الأشياء، وأنني لم أكن أملك دائمًا القدرة على اختيار ما يحدث، ولا الطريقة التي تنتهي بها الحكايات. هناك أشياء تمنيت لو لم تحدث، وأشخاص تمنيت لو بقوا، وأيام تمنيت لو امتدت قليلًا، وأخرى تمنيت لو لم تبدأ أصلًا. لكنني تعلمت أن الحياة لا تعطينا دائمًا ما نريده، وإنما تترك لنا ما نستطيع أن نحمله، حتى وإن لم نفهم السبب في البداية. لذلك، يا ماضي، خذ معك ما انتهى. خذ الوجوه التي لم تعد تشبه نفسها، والأحاديث التي فقدت معناها، والانتظارات التي لم تصل إلى شيء، والأحلام التي تغيّرت قبل أن تكتمل. أما الذكريات، فاتركها لي. ليس لأنني أريد العيش فيها، بل لأنها جزءٌ من الشخص الذي أصبحتُ عليه. سأتركك خلفي، لكنني لن أنكر أنك كنت يومًا بيتي. لن أنكر أنني ضحكت فيك، وبكيت، وخسرت، وتعلّمت، وكبرت دون أن أشعر. وربما هذا هو الوداع الحقيقي؛ أن أتذكرك دون أن أتمنى العودة، وأن أحنّ إليك دون أن أبحث عنك، وأن أنظر إلى ما كنتُ عليه يومًا، وأبتسم بهدوء، ثم أكمل طريقي. إلى الماضي إذن... شكرًا لكل لحظةٍ جعلتني أفهم نفسي أكثر، ولكل فقدٍ علّمني معنى التعلّق، ولكل نهايةٍ جعلتني أعرف أن بعض الأبواب تُغلق كي نتوقف عن الوقوف أمامها. لن أطلب منك أن تعود. يكفيني أنك حدثت. ويكفيني أنني، رغم كل شيء، ما زلت هنا.
14 3 yorum