.˚₊‧༉︶︶︶︶﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌︶︶︶︶༉‧₊˚.
ماذا لو كان النسيانُ مجرّدَ شكلٍ آخر من أشكال الوفاء؟
فلعلّنا لا ننسى ما أحببناه حقًّا، وإنّما نُؤْثر له في الذاكرة مقامًا لا تبلغه كثرةُ الالتفات؛ نطوي أثره في ناحيةٍ قصيّة من الروح، ونكفّ عن استنطاق الغياب، لأنّ بعض ما نحبّه يفسده الإلحاح عليه أكثر ممّا يفسده البُعد.
ثمّ تمضي الأيام، ويحسب المرء أنّ قلبه قد أبرأه النسيان، وما درى أنّ بعض الجراح لا تندمل، بل تستحيل إلى شيءٍ أشبه بالسكون؛ لا تؤلمك كلّما مررت بها، لكنّك تعرف، في غفلةٍ عابرة، أنّها ما زالت هناك.
وهكذا تتبدّل الأشياء دون أن نشعر.
يخفتُ وقعُ الاسم، وتبهتُ هيئةُ الوجه، وتغدو التفاصيل التي كنا نستظهرها عن ظهر قلبٍ عصيّةً على الاستحضار. لا يعود المرء يذكر متى كان آخر مرةٍ انتظر فيها، ولا متى انطفأ ذلك الترقّب الذي كان يختبئ له في آخر النهار. ثمّ يفاجئه النسيان ذات صباح، لا كنعمةٍ هبطت عليه، بل كغُصّةٍ خفيّة؛ إذ يكتشف أنّه نسي شيئًا كان قد أقسم في سرّه ألّا ينساه.
ولعلّ في ذلك أشدّ ما يوجع.
أنّ القلب، حين يعجز عن حمل الذكرى على صورتها الأولى، يبدأ باختزالها؛ يأخذ منها صوتًا، ثم ملامح، ثم تاريخًا، ثم يترك في قاعه إحساسًا غائمًا لا يعرف له اسمًا.
حتى الذين ظننّا أنّهم سيبقون فينا كما يبقى الأثر في الحجر، تصير صورتهم مع الوقت شبيهةً بحلمٍ طال عليه اليقظ؛ نعرف أنّه كان حقيقيًّا، لكنّنا نعجز عن استرداد تفاصيله.
ومع ذلك، لا يكون النسيان دائمًا جفاءً.
أحيانًا يكون آخر ما نفعله لمن أحببناهم.
أن نكفّ عن جرّهم إلى حاضرنا كلّما ضاقت بنا الحياة، وأن نتركهم في الموضع الذي كانوا فيه أجمل؛ في تلك المسافة التي لا تطالها يدُ العتاب، ولا تفسدها الأسئلة المتأخرة، ولا يُعاد فيها حساب ما كان يمكن أن يكون.
فثمّةَ وفاءٌ لا يشبه البقاء.
وفاءٌ يشبه أن تُسدِل الستارة على نافذةٍ ظللتَ طويلًا تحدّق منها، لا لأنّك كرهتَ المشهد، بل لأنّك عرفتَ أنّ التحديق فيه لن يعيده.
ثمّ يمضي، لا لأنّ الذاكرة خانته، بل لأنّها أودعته في موضعٍ لا تطاله يده.
وربّما كان النسيان أصدقَ ما يتركه الحبُّ حين يعجز عن البقاء؛
أن يهدأ الغائب فينا، دون أن يهدأ الأثر.
.˚₊‧༉︶︶︶︶﹌﹌﹌﹌﹌﹌﹌︶︶︶︶༉‧₊˚.
#أثر_أبريل
#محبرة_كاتب
#سل_قلمك
#كتابات_Luna_Artix
#Luna_artix


15
4 تعليقات
