كان ثورفين جاثيًا في حضرةِ السكون، كأنّ الأرضَ قد استبقت منه قوّتَه وأبقت له هيئةَ رجلٍ لا يعرفُ أين يضعُ بقايا نفسه. انحنى رأسُه، وتدلّت خصلاتُ شعره على جبينه، بينما كانت أنفاسُه تتعاقبُ واهنةً متثاقلة، كأنّ كلَّ زفيرٍ ينتزعُ من حناياهُ عُصارةَ أعوامٍ استحالت فيها الضغينةُ طبعًا، والمقتُ مألوفًا، والثأرُ قبلةً يتوجّه إليها دون أن يهتدي.
كانت عيناهُ شاخصتين إلى العدم، لا إلى موضعٍ بعينه؛ ففي ذلك الفراغِ الماثل أمامه انبعثت أطيافُ ماضٍ موغلٍ في القِدم، وجوهٌ توارت، وأصواتٌ انقطعت، وأشلاءُ ذكرياتٍ ظلّت كامنةً في أقاصي الذاكرة حتى أضحت أثقلَ من أن تُستعاد، وأعجزَ من أن تُنسى.
لم يكن الذي اعترى ملامحَه حزنًا بالمعنى المألوف؛ كان انخلاعًا داخليًّا، كأنّ ستارًا كثيفًا قد انزاح بغتةً عن بصره، فأبصر للمرة الأولى فداحةَ الطريق الذي قطعه. رأى نفسه لا بوصفه محاربًا، ولا ابنًا ثائرًا، ولا طالبَ ثأر، بل إنسانًا استُنزفت إنسانيّتُه قطرةً قطرة، حتى غدا قلبُه موضعًا قاحلًا لا ينبتُ فيه إلا ما غرسته السنونُ من قسوة.
ثم جاءت اللحظةُ التي لم يكن فيها شيءٌ جديرًا بالاحتفاء؛ لا نصرٌ، ولا غنيمةٌ، ولا صليلُ سلاح. مجرّدُ رجلٍ أدرك، بعد فواتٍ طويل، أنّ بعضَ المعارك لا تُفضي إلى ظفر، وأنّ المرءَ قد يستولي على رقابِ خصومه جميعًا ثم يعجزُ عن استردادِ نفسه من أسرِ ماضيه.
ارتجفت أصابعُه قليلًا، لا خوفًا من عدوّ، بل كأنّ الجسدَ نفسه كان يستنكرُ حياةً ألفها قسرًا. وحين رفعَ بصرَه، لم يكن في وجهه بريقُ الفاتك الذي عرفه الناس؛ كان ثمّة وهنٌ عميق، غير أنّ وراءه صلابةً مستحدثة، صلابةَ من ذاقَ مرارةَ الخراب حتى كفَّ عن تمجيده.
في تلك اللحظة، لم يُعلن ثورفين انتصارًا، ولم يطلب غفرانًا، ولم يستردّ ما فقده؛ إنما خطا أولَ خطوةٍ نحو استردادِ إنسانٍ ظلَّ مدفونًا طويلًا تحت ركامِ الكراهية.
!(#Animeista)
#Luna_Artix
──────────
!(#سل_قلمك)
#محبرة_كاتب
!(#كتابات_luna_artix )


23
5 commentaires
