!(حين يصبح العيش في اللحظة شكلًا من أشكال السلام)
العالمُ كله مليءٌ بعوالمَ صغيرة تتداخل فيما بينها، وكلُّ إنسانٍ يعيش داخل عالمه الخاص؛ عالمٌ صنعته عاداته، وأفكاره، والأشياء التي اختار أن يمنحها جزءًا من وقته وبينما يركض البعض خلف يومٍ لم يأتِ بعد، ويظل آخرون عالقين في يومٍ انتهى منذ زمن، يأتي Perfect Days ليطرح سؤالًا هادئًا دون أن يصرخ به: ماذا لو كانت الحياة التي نبحث عنها موجودةً أصلًا في اللحظة التي نعيشها الآن؟
الفيلم لا يحتاج إلى أحداثٍ ضخمة حتى يقول شيئًا عظيمًا ولا يحاول أن يجعل الحياة أكثر إثارةً مما هي عليه، بل يفعل العكس تمامًا؛ يأخذ التفاصيل التي نمرُّ بجانبها كل يوم وكأنها لا تعني شيئًا، ثم يضعها أمام أعيننا من جديد فنبدأ في رؤية ما لم نكن نراه: ضوء الشمس حين يتسلل بين الأشجار، أغنيةً قديمة، كتابًا، كوب قهوة، ابتسامةً عابرة، أو لحظة صمتٍ لا يحدث فيها شيء، ومع ذلك تشعر أنك كنت بحاجةٍ إليها
المرّة الجاية هي المرّة الجاية، ودلوقتي هو دلوقتي
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تحمل شيئًا يشبه مفتاحًا صغيرًا لبابٍ ظللنا نطرقه طوال الوقت؛ فنحن كثيرًا ما نعيش في شيء لم يحدث بعد، أو نعود إلى شيء حدث وانتهى، نفكر في الغد حتى ننسى اليوم، ونُعيد النظر في الأمس حتى نفقد اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلًا، اللحظة التي نقف فيها الآن
!(فالمَرّة القادمة لم تأتِ بعد، والماضي لم يعد موجودًا، أمّا الآن فهو الشيء الوحيد الذي يحدث فعلًا)
وهنا تظهر واحدةٌ من أجمل أفكار الفيلم أنه لا يخبرك بأن الحياة يجب أن تكون مثالية حتى تستحق أن تُعاش، بل يجعلك ترى أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا طوال الوقت، كما أنه لا يمكن أن يكون حزينًا إلى الأبد، فالفرح والحزن ليسا خطأين في معادلة الحياة، بل جزءان منها، وربما لو اختفى أحدهما لفقد الآخر معناه
الفلم لا يقول إن كل الأيام ستكون مثالية بل ربما يقول إنك تستطيع أن تجد شيئًا جميلًا حتى في الأيام التي ليست كذلك
والأجمل أنه لم يحاول أن يبيع لنا صورةً مثالية عن الإنسان؛ لم يجعل السلام يعني غياب الألم، ولم يجعل الرضا يعني أن كل شيء سار كما أردنا، بل ترك للحياة حقيقتها كما هي، أشياء تأتي وأشياء تذهب، أشخاص نلتقيهم وآخرون نفترق عنهم، لحظات تملؤنا بالفرح وأخرى تجعلنا نبحث عن معنىٍ لما نشعر به
وربما لهذا يبدو الفيلم هادئًا إلى درجةٍ تجعلك في البداية تسأل: أين القصة؟
ثم تكتشف بعد وقتٍ أن القصة لم تكن في الأحداث أصلًا، بل في الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء
فربما لا نحتاج دائمًا إلى حياةٍ جديدة، ولا إلى مدينةٍ جديدة، ولا إلى مستقبلٍ مختلف حتى نشعر بأننا نعيش وربما ما نحتاجه أحيانًا هو أن نتوقف قليلًا عن انتظار اللحظة المثالية وأن نمنح اللحظة التي بين أيدينا فرصةً لأن تكون كافية
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نتحكم في كل ما سيحدث لنا، ولا أن نضمن أن القادم سيكون كما نريد، لكننا نستطيع أن نجتهد فيما نستطيع وأن نترك ما لا نستطيع لله
!(استعن بالله ولا تجزع)
وإن كنت مسلمًا، فالإسلام هو أن تُسلِّم وجهك لله، أن تعمل وتجتهد وتسعى، ثم تترك ما وراء قدرتك لمن هو أعلم بك وبما يصلح لك
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
اجتهد، واسعَ وافعل ما تستطيع، ثم سلِّ الباقي على ربك وإن لم تأتِ النتيجة التي تمنيتها، فلا بأس، فهذه هي الحياة؛ شيءٌ جميل وشيءٌ مؤلم، يومٌ نبتسم فيه ويومٌ نتعب فيه، ثم نمضي
!(الآن هو الآن والمَرّة القادمة ستأتي حين تصبح هي الآن)
#Raging
#سل_قلمك
#محبرة_كاتب
#no_body
#كتابات_الهائج


17
6 commentaires
