Topluluk
عابرة سبيل @Reen_x ·
!(إن بعض الظنِّ إثم) 🌸|•كم من امرئٍ نَسَجَ له القومُ في أذهانهم صورةً لم يرَها هو من نفسه قط، ثم أنزلوه منها منزلةً، وعاملوه بمقتضاها، كأنّهم عاشوا دهره، وخبروا سريرته، ووقفوا على خفيّ أمره، وأحاطوا بدخيلة نفسه إحاطةَ من لا يخفى عليه منها خافية. قد تلقى امرأً قليلَ المقال، فتسمه بالزهو والكِبر، وتلقى آخرَ شاغلًا عنه فتعدّه متعاليًا، وترى ثالثًا لا يبتدر إليك بحديث فتحسبه جافي الشمائل، عابس السجية مستثقلًا لمن حوله. وربّما رأيت رجلًا يعلو في قومه منزلةً، أو يبلغ من السؤدد مبلغًا، فخامرك أنّ الرفعة قد أفسدت شمائله، وأنّ ما ناله من جاهٍ أورثه كِبرًا لم يكن له من قبل. وهكذا نُنشئ للناس وجوهًا من عند أنفسنا، ثم نخاصمهم على وجوهٍ ما لبسوها قط. وإنّ من أعجب ما في أمرنا أن نأخذ من المرء طرفةً من حديث، أو لمحةً من هيئة، أو موقفًا عابرًا لا نعلم ما وراءه، ثم نشيد عليه حكمًا راسخًا، كأنّما انكشفت لنا السرائر، وسُدلت لنا ستور الغيب، وأصبحنا من أمر القلوب على بيّنة. ولستُ أزعم أنّ الناس سواء، ولا أنّ كلّ ذي وجهٍ جميل السريرة، ولا أنّ المرء منزّهٌ عن الزلل وسوء الشمائل؛ فالناس معادن، وفيهم الكريم واللئيم، والحليم والسفيه، ومن استقامت سريرته ومن ران عليها ما ران. ولكنّ العدل يأبى أن نجعل الظنّ يقينًا، والتوهّم علمًا، والانطباع قضاءً مبرمًا. فقد يكون الذي حسبته متكبّرًا قد أثقلته نازلةٌ كتمها، أو شُغلًا أعجزه عن البوح؛ وقد يكون الذي ظننته متجاهلًا لم يفطن إليك أصلًا؛ وقد يكون الذي رميتَه بالغرور ألينَ الناس جانبًا، وأشدّهم صونًا لمروءته عن الكِبر. غير أنّك أبصرت منه ساعةً، فأقمتَ الساعة مقام الدهر، وشدَدتَ على تلك اللحظة حكمًا لا يبرحه. وما أكثر ما نخسر من الناس، لا لأنّهم أساؤوا إلينا، ولكن لأنّنا أسأنا فهمهم، وأوّلنا صمتهم بما وافق ظنوننا. فدعوا للناس فسحةً بينكم وبين أحكامكم، واجعلوا ألسنتكم أبطأ من أعينكم؛ فما كلّ صمتٍ كِبرًا، ولا كلّ إعراضٍ نفورًا، ولا كلّ رفعةٍ زهوًا، ولا كلّ خلافٍ عداوة. ولا تجعلوا أنفسكم حكّامًا على سرائر لم تُفتح لكم؛ فإنّ المرء لا يُعرف من موقفٍ واحد، ولا تُوزن مروءته بنظرة، ولا تُختصر شمائله في ساعةٍ من نهاره. خفّفوا وطأة الحكم على الناس؛ فما أدركته الأبصار منهم ليس جميع أمرهم، وما غاب عنكم من شأنهم أوسع ممّا تحسبون. وربّ لفظةٍ حسبناها حقًّا، فإذا بها عند ميزان العدل ضَيمٌ على صاحبها؛ وإن بعضُ الظنِّ إثم. ولعلّ الحديث عن الظنّ لا يستقيم إن ظلّ حديثًا عن الناس وحدهم؛ فقد يُلقى المرء يومًا في الجهة الأخرى من الحكاية، فيغدو هو الصورة التي صاغها غيره في مخيلته، والحكم الذي سبق المعرفة، والصفة التي أُلصقت به قبل أن يُسمع منه أو يُعرف. وقد عرفتُ من ذلك شيئًا. ها أنا ذي، مثلًا، عابرة سبيل؛ وقد يكون في عين بعضهم منّي ما لا أعرفه عن نفسي. وقيل في شأني ما لا يمتّ إلى حقيقتي بصلة، وربّما شُيّدت عنّي صورةٌ كاملة في أذهان أناسٍ لم تجمعني بهم خلوة ولا حديث، ولا معرفةٌ تبلغ مبلغ الوقوف على سجيّتي وشمائلي. وصدقوني، لا أقول ذلك عتابًا، ولا أطلب من الناس أن يروني كما أرى نفسي؛ فما أنا إلا بشرٌ أصيب وأخطئ، وأُحسن وأُقصّر، ولي من العيوب ما قد يخفى عليّ قبل أن يخفى على غيري. ولكنّي أخذت من ذلك عبرةً: ألّا أستعجل الحكم على أحد. فكم من إنسانٍ مررنا به، ففسّرنا صمته، وقرأنا ملامحه على هوانا، وحملنا سلوكه على أسوأ المحامل، ثم انصرفنا عنه ونحن نزعم أنّنا عرفناه... وما عرفناه عرفنا منه لحظةً، ثم تولّينا نحن نسج بقيّة حكايته. فإن كان في تجربتي شيءٌ يستحق أن يُقال، فهو هذا: لا تجعلوا ما تجهلونه عن الناس حُجّةً عليهم. اتركوا لهم من العذر نصيبًا، وللأيام فسحةً تكشف ما استتر، وللحقيقة سبيلًا تبلغكم منه من حيث لا تحتسبون. فقد يكون الذي ظننته متكبّرًا ألينَ الناس جانبًا، مثلي... أمزح، لا عليكم، أكملوا. وقد يكون الذي حسبته باردًا أرقّهم قلبًا، والذي ظننته متغيّرًا لم تتبدّل سجيّته قط؛ وإنّما تبدّلت المسافة التي تنظر إليه منها. !(وربّ حكمٍ حسبناه عدلًا، فإذا هو عند ميزان الإنصاف ضيم) وإنّ بعضَ الظنِّ إثم #كتابات_العابرة | #قوافي_كورلايت | #محبرة_كاتب | #سل_قلمك | #CORELIGHT !(ملاحظة مهمة): بالنسبة للتصميم، فقد استعنتُ بالذكاء الاصطناعي لإجراء تعديلات على جودة الصورة ودقّتها فقط، دون إجراء أي تغييرات أخرى على التصميم.
33 7 yorum