ثم إن أقسى ما يُبتلى به المرءُ أن يبقي في صدره شيئًا انتهى، ويقضي كل دهره في إثبات وجوده.
فوجود ما نمنحه بحد ذاته مؤقت، يتغير كتغير الحرباء بأرضٍ خصبة، ليغدو ما نسميه صبرًا تمطيطًا لما وجب أن ينتهي، لا قدرة على تحمل ما ينطوي، وكأن التأجيل إقامة جبرية تفرضها الروح على صاحبها.
فثمة أشياء لا نطيل الصبر عليها حبا، وإنما لأن فكرة إفلاتها ترينا أيدينا عارية، فنفضل بقاء بعض الأبواب مواربةً، نريد اتقاء النظر إلى ما خلف جدرانها، في حين أن الروح تهوى بلوغ سحيقِها، فنطيل البقاء عند عتباتها حتى يُمنح وقوفنا اسمًا.
!(فقد كان يعلم أن الباب لن يفتح، ومع ذلك طرقه.)
فليس كل الطراقِ ذوي رجاءٍ في المنشود، فبعض الطرقات لا تريد أن تستدعي أحدًا، ولا أن تلقى معتكفًا، وإنما تريد أن تختبر صمت الفراغ، أن تدفع إليه طرقةً واحدة ثم تصغي إلى صداه، فقد يكون ارتدادها أبلغ من الوصول.
فنحن في الحقيقة لا نقرع سوى خشب ما لم نتعلم بعد كيف نغادره، نبقي أيدينا قريبةً من المقبض، لأننا نعلم أن الإفلات يربك الذات ويطيل بيننا وبينها المسافات.
ولعل أغرب ما فينا أننا نعرف عقم الأرض لكننا نواصل سقيها، لأن التوقف أشد وقعًا من عدم إنباتها، يثير في أنفسنا ما يجب أن يدفن، فنغير مع كل عجز لنا المسميات، فيستحيل البقاءُ عندما يؤول إلى وفاءٍ، والانتظار أملًا، والعجز عن الحراكِ صبرًا، وكأننا نخلق بيننا وبين ما لم نلامسه سترًا بهيئة اسم.
فمع السكون الطويل تحت وطأة التغير، لا نعود نريد صوتًا من الضفة الأخرى، فقط نفتش بداخلنا عن سبب الطرق، فنتصدع من السؤال أكثر من إجابة، لندرك أن الباب لم يكن من يغرس أقدامنا على عتباته، وإنما كفوف ذواتنا التي تطرق بجوارحنا.
فأحيانًا لا تكتفي النهاية بإيصاد ما مضى، بل بإخماد ما أحييناه يومًا من العدم، لأن الرحيل في الأصل لا يعني الخروج من المكان، بقدر ما يعني انتهاء ما منحه الإنسان يومًا اسمًا ووسمًا على ذاكرته.
#تفكيك_برؤية / #محبرة_كاتب / #كتابات_كورلايت / #سل_قلمك
#CORELIGHT


33
コメント 6件
