حين يصبح الإنسان قاضيًا على الإنسان
أحيانًا لا يخيفني الشر بقدر ما يخيفني الإنسان حين يقتنع أن ما يفعله صحيح.
ولهذا أجد شيئًا مثيرًا في جمع جوهان ولايت معًا. شخصيتان مختلفتان في الطريق، لكنهما تلتقيان عند فكرة واحدة: الإنسان حين يتجاوز حدود نفسه، ويبدأ بالنظر إلى الآخرين وكأنه يملك حق تقرير مصائرهم.
لايت بدأ بفكرة قد تبدو، في ظاهرها، بسيطة: عالمٌ خالٍ من الجريمة. لكنه مع الوقت لم يعد يكتفي بفكرة العالم الذي يريده، بل أصبح يريد أن يكون هو من يحدد من يستحق أن يبقى فيه.
وهنا تغيّر كل شيء.
فالمشكلة لم تكن في امتلاكه القوة وحدها، بل في اللحظة التي بدأ فيها يرى نفسه فوق الحكم الذي يفرضه على الآخرين. وكأن امتلاك القدرة على إصدار الحكم جعله ينسى أن القاضي نفسه إنسان، وأن الإنسان مهما بلغ من ذكاء لا يستطيع أن يرى العالم كاملًا من زاوية واحدة.
أما جوهان، فقصته أكثر هدوءًا، وربما لهذا تبدو أكثر إزعاجًا. لم يحتج إلى أن يعلن نفسه حاكمًا على أحد؛ كان تأثيره يأتي من معرفته بما يمكن أن يختبئ داخل النفس البشرية. يعرف نقاط ضعف الآخرين، ويعرف كيف يمكن لكلمة أو فكرة أن تغيّر طريق شخصٍ كامل.
وهنا يظهر الفرق بينهما.
لايت أراد أن يصنع عالمًا وفق رؤيته، بينما جوهان كشف لنا كم يمكن للإنسان نفسه أن يكون هشًّا أمام أفكاره.
لكن الغريب أن كليهما يجعلنا نفكر في الشيء ذاته: هل الإنسان يصبح أقوى حين يمتلك السلطة، أم أن السلطة تكشف فقط ما كان موجودًا فيه منذ البداية؟
ربما لا تغيّرنا القوة كما نظن.
ربما هي فقط تزيل الحدود التي كانت تمنعنا من إظهار ما نريد فعله.
فالإنسان حين يكون عاجزًا قد يبدو رحيمًا، لا لأنه اختار الرحمة، بل لأنه لم يمتلك القدرة على أن يكون قاسيًا. وحين تُمنح له القوة، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا سيفعل بها؟
وهذا ما يجعل قصة لايت مؤلمة أكثر مما هي قصة ذكاء أو صراع.
لأن البداية لم تكن رجلًا يريد الخراب، بل شخصًا رأى عالمًا مليئًا بالأشياء التي يكرهها، ثم صدّق أنه قادر على إصلاحه وحده.
وهنا تبدأ المأساة.
فالنية قد تكون جميلة في بدايتها، لكن الإنسان لا يُحاسب على النوايا وحدها؛ ما يفعله بها هو الذي يصنع نهايته.
أما جوهان، فيترك لنا سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم يكن الإنسان بحاجة إلى قوة خارقة أصلًا كي يدمّر؟ ماذا لو كانت الكلمة، والضعف، والخوف، والفراغ الداخلي كافية؟
وربما لهذا لا أرى جوهان ولا لايت مجرد شخصيتين شريرتين أو عبقريتين.
أراهما سؤالين عن الإنسان.
لايت يسأل: ماذا يمكن أن يحدث حين نمتلك سلطةً بلا حدود؟
وجوهان يسأل: ماذا يمكن أن يحدث حين نعرف نقاط ضعف الإنسان أكثر مما يعرفها هو عن نفسه؟
وبين السؤالين توجد الحياة نفسها.
نحن أيضًا نملك تأثيرًا في الآخرين، وإن كان أصغر بكثير. كلمة نقولها وننساها قد تبقى في قلب شخصٍ آخر سنوات. موقف نراه عابرًا قد يغيّر شيئًا في إنسان لم يخبرنا أصلًا أنه تأذى.
ولهذا، ربما ليست القوة الحقيقية أن تستطيع التأثير في الآخرين، بل أن تعرف متى تتوقف عن ذلك.
أن تملك القدرة على الحكم ولا تجعل نفسك إلهًا.
أن تعرف ضعف شخصٍ ما ولا تستعمله ضده.
أن تستطيع الانتقام، ثم تختار ألّا تفعل.
لأن الإنسان لا يُعرَف فقط بما يستطيع فعله، بل أيضًا بما يستطيع فعله ويختار ألّا يفعله.
وفي النهاية، يبقى الشيء الذي يجمع جوهان ولايت بالنسبة لي أبعد من الذكاء والغموض:
كلاهما يجعلنا نتساءل عن الحدود الفاصلة بين العدالة والغرور، وبين الحرية والسيطرة، وبين أن تنقذ العالم وأن تحاول امتلاكه.
وربما أقسى ما تعلّمه لنا قصتهما هو أن الإنسان قد يبدأ طريقه وهو يريد تغيير العالم، ثم لا ينتبه إلا متأخرًا إلى أن العالم الذي كان يحاول تغييره بدأ يغيّره هو.
وعندها لا يعود السؤال:
«هل كان يريد الخير؟»
بل يصبح:
«في أي لحظة أقنع نفسه أن الخير لا يمكن أن يكون إلا كما يراه هو؟»
!(#Animeista)
#Luna_Artix
──────────
!(#سل_قلمك)
#محبرة_كاتب
!(#كتابات_luna_artix )


24
コメント 6件
