يا صاحبي، ما كنتُ أطلبُ منك شيئًا
سوى أن تبقى، حين يمضي الجميعْ
وأن تكونَ كما عهدتُك مرةً
وجهًا إذا ضاقَ الزمانُ به أفيقْ
كنتُ أراكَ أخًا، وكنتُ أعدُّنا
سرّينِ لا يفشيهما ليلٌ ولا فجرْ
وأقولُ: هذا لن يخونَ مودّتي
مهما تبدّل في الحياةِ بنا القدرْ
لكنني يوم احتجتُ صوتَك لم أجدْ
إلا صدىً باردًا يردُّ عليّ: "اصبر"
ويوم سقطتُ، ولم يكن في كفّي شيءٌ
تركتَ يدي، ومضيتَ دونَ أن تنظرْ
ما أوجعَ الخذلانَ حين يكونُ من
شخصٍ ظننتَ بأنه وطنُ الأمانْ
من كنتَ تخبّئ عنده أسرارَك
صارَ الغريبَ الذي يراكَ بلا حنانْ
أذكرُ ليالي كنتَ فيها أقربَ الـ
أحبابِ، حتى خلتُ أنك لا تغيبْ
كنتُ أراكَ إذا تضايقَ خاطري
وأقولُ: ما دامَ الصديقُ هنا، أطيبْ
واليومَ إن مرّتْ ملامحُك على
عيني، أشعرُ أنني لا أعرفُكْ
كأن كلَّ الحُبِّ الذي بيننا
كانَ الطريقَ الذي قادني لأخسركْ
يا صاحبي، هل كانَ سهلًا عندك
أن تهدمَ الأيامَ بيني وبينك؟
هل كانَ سهلًا أن تبيعَ مودّتي
وكأن قلبي لم يكن يومًا سكنك؟
أنا لم أعاتبْك لأن العتبَ صارَ
أثقلَ من أن يحتملَهُ صوتي
فبعضُ جروحِ القلبِ لا تُشفى بكلمةٍ
وبعضُ الندمِ لا يُرجعُ ما فاتَ مني
علّمتني أن الصديقَ ليسَ الذي
يضحكُ معك في ساعةٍ من فرحِ
الصاحبُ الحقُّ الذي إن ضاقَتِ الـ
دنيا عليكَ، رأيتَهُ في مطرحِ
من قال: "أنا معك" ثم غابَ حينما
احتجتَه، لا يُسمّى صديقَك حقًّا
ومن احتضنَ أفراحَك ثم إذا بكتْ
عيناكَ، تنكّرَ، فذاك ليسَ رفيقَك
كم كنتُ أبرّرُ غيابَك دائمًا
وأقولُ: لعلَّ الظروفَ تمنعُهُ
حتى اكتشفتُ بأنني كنتُ الذي
يبني الأعذارَ كي لا أخسرَهُ
وكم احتمَلتُ من الجفاءِ لأنني
كنتُ أظنُّ بأن الودَّ يستحقُّ
حتى تعلّمتُ الحقيقةَ مُرّةً:
من لا يصونُكَ، لا يُصانُ لهُ حقُّ
الآنَ لا أكرهُك، رغمَ أنني
أبكي على قلبي الذي صدّقَكْ
لكنني لن أفتحَ البابَ الذي
أغلقتَهُ أنتَ، ولن أستجديَكْ
خذ كلَّ الذكرياتِ، واتركْ لي
قلبًا تعلّمَ كيفَ يمشي منفردْ
خذ الضحكاتِ، وكلَّ عهدٍ بيننا
واتركْ لي درسًا لا يضيعُ ولا يَفِدْ
سأمضي، وإن كانَ الطريقُ موحشًا
وسأستعيدُ منّي الذي قد ضاعَ فيكْ
فأنا خسرتُ صديقَ عمرٍ مرّةً
لكنني ربحتُ نفسي حينَ أتركُكْ
ولربما يأتي زمانٌ تذكرُ الـ
أيامَ، حينَ يكونُ حولكَ ألفُ شخصْ
وتبحثُ عن قلبٍ أحبّكَ صادقًا
فتجدُ أن الصادقينَ قليلُهمْ
حينها ستعرفُ أنني لم أكنْ
مجردَ صديقٍ مرَّ ثم انتهى
كنتُ الذي أعطاكَ من قلبِي بلا
حسابِ، ثم رحلتَ أنتَ كأنني لا شيءْ
لكنْ لا بأسَ... تعلّمتُ أن بعضَ الـ
أشخاصِ أجملُ ما يكونونَ في الذكرى
وأن الودَّ إذا لم يُصَن بصدقِه
يصيرُ وجعًا لا يُداويهِ سوى النسيانْ
فاذهبْ بخيرٍ، لا أريدُ عتابَكْ
يكفيني أنني كنتُ يومًا أحبُّكْ
وإذا سألوكَ عن صديقٍ قديمٍ
قلْ: كانَ قلبًا صادقًا... ثم خذلتُهُ.


11
1 comentario
