"غَرْس"
رَأَيْتُ زَهْرَةً ذَابِلَةً فَمَالَتْ لَهَا
رِيَاحُ انْجِذَابٍ دَفَعَتْنِي لِأَسْقِيهَا
.
وَلَمَّا مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَ الزَهْرَة
فَإِذَا بِشَوْكٍ فِي الْخَفَاءِ قَدِ انْغَرَسَ
.
فَنَزَعْتُ شَوْكَهَا عَنِ الْكَفِّ وَانْثَنَيْتُ
وَمَا عَلِمْتُ بِأَنَّ شَيْئًا بِي غُرِسَ
.
فَلَمَّا سَكَبْتُ الْمَاءَ فَوْقَ جُذُورِهَا
تَحَرَّكَ شَيْءٌ فِي التُّرَابِ وَلَمْ يَظْهَرْ
.
تَفَتَّحَتْ كَأَنَّ الرَّبِيعَ بِهَا يُغَنِّي
وَفَاحَ مِنْ عِطْرِهَا لَحْنٌ لَمْ أَعْرِفْهُ
.
فَمَا عَلِمْتُ أَنَّ لِلزَّهْرِ مُلَحِّنًا
وَلَا أَنَّ وَرَاءَ اللَّحْنِ سِرًّا يُدَبَّرُ
.
فَمَا زَادَنِي حُسْنُهَا غَيْرَ خُطْوَةٍ
وَكُلَّمَا رَدَّدْتُ النَّغَمَ زَادَ اقْتِرَابِي
.
فَلَاحَ لِي مِنْ وَرَاءِ اللَّحْنِ لَمْعَةٌ
كَأَنَّ جَوْهَرًا فِي الظَّلَامِ تَأَلَّقَ
.
فَأَبْصَرْتُ ظِلًّا لَا قَرَارَ لِهَيْئَتِهِ
فَتَارَةً يَبْدُو خَنْجَرًا ثُمَّ يَنْحَسِرُ
.
وَتَارَةً سَهْمٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ
عَلَى وَتَرٍ مَجْهُولٍ يَنْتَظِرُ
.
وَكُلَّمَا تَبَدَّلَ لِلظِّلِّ شَكْلُهُ
تَبَدَّلَتْ أَلْحَانُهُ فِي مَسْمَعِي
.
وَرَأَيْتُ بَيَاضَ الضَّبَابِ كَأَنَّهُ
ثَوْبٌ تَبَدَّى تَحْتَهُ لَيْلٌ أَسْوَدُ
.
وَخَطَرَ الزَّهْرُ فِي بَالِي فَالْتَفَتُّ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا دُخَانًا يَتَبَخَّرُ
.
فَلَمَّا تَلَاشَى الدُّخَانُ عَنْ نَاظِرِي
تَحَرَّكَ فِي الظَّلَامِ شَيْءٌ وَلَمْ يَظْهَرْ
.
فَنَزَعَ الْوَهْمُ عَنْ عَيْنَيَّ سِتَارَهُ
فَمَا عَادَ بُسْتَانِي بُسْتَانًا كَمَا أَظُنُّ
.
رَأَيْتُ ضَبَابًا أَبْيَضَ يَكْسُو طَرِيقِي
فَحَسِبْتُ الْبَيَاضَ دَلِيلًا إِلَى الْمَفَرِّ
.
وَكَانَ مِنَ الْبُعْدِ لَحْنٌ لَا أَعْرِفُهُ
وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْعُونِي لِلسَّيْرِ
.
فَهَلْ كَانَ مَارِدٌ يُحَقِّقُ الْأُمْنِيَاتِ
أَمْ أَنَّهُ يُضِيفُ أُمْنِيَاتٍ لِكَيْ لا أَنْجُو
.
عَجَبًا فَلَا أَرَى ذَهَبًا وَلَا أَرَى شَيْئًا يَقْهَرُ
وَلَا أَرَى فِي يَدَيْهِ نَجَاةً وَلَا فِي خُطَاهُ مَفَرًّا
.
فَمَا الَّذِي حَسِبْتُهُ وَعْدًا حِينَ أَقْبَلَ
وَمَا الَّذِي أَخْفَاهُ عَنْ عَيْنِي وَلَمْ يَظْهَرْ
.
فَإِذَا رَأَيْتُ نَابًا يَلْمَعُ مِنْ سُمِّهِ
كَأَنَّ الْبَرْقَ فِي حَدِّ السَّيْفِ حِينَ يُصْقَلُ
.
وَرَأَيْتُ شَيْئًا فِي الظَّلَامِ كَأَنَّهُ
رُوحٌ تَسِيرُ عَلَى الرِّمَالِ ثُمَّ تَتَرَقَّصُ
.
أَكَانَتْ أَلْحَانُ دَهْرِي لِزَهْرَةٍ
أَمْ أَنَّهَا أَلْحَانُ أَفْعَى تَتَرَقَّصُ
.
وَجُذُورُهَا فِي دَهْرِي أَكَانَتْ مَزْرُوعَةً
أَمْ أَنَّهَا فِي الدَّهْرِ لَحَّنَتْ وَفِي الْحَاضِرِ تَرَقَّصَتْ
.
أَأَسْقِي مِنْ كَأْسِ الْمُنَى فَيَرْتَوِي
فُؤَادِي أَمْ أَنَّ الْكَأْسَ فِيهِ مِنَ الْغَدْرِ
.
أَمْ أَنَّنِي لَمَّا مَدَدْتُ الْكَفَّ نَحْوَهُ
رَأَيْتُ سَرَابَ الْكَأْسِ وَالْمَاءَ يَنْحَسِرُ
.
أَأُرَقِّي جِرَاحَ الرُّوحِ بِالْحَرْفِ بَعْدَمَا
تَوَارَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ كَانَ لَهُ أَثَرٌ
.
أَمْ أَنَّ حُرُوفِي كُلَّمَا رُحْتُ أَشْتَكِي
تُثِيرُ جِرَاحًا فِي الْفُؤَادِ وَتَسْتَعِرُ
.
وَالْحِبْرُ صَارَ مِنْهُ السُّمُّ أَثَرًا
وَالسُّمُّ بِالْمِدَادِ صَارَ آثَارًا
.
يَجْرِي فِي عُرُوقِ الْحِبْرِ وَيَسِيلُ
يَكْتُبُ أَحْرُفًا كَالْقَتِيلِ
.
وَيَفِيضُ الْمِدَادُ لِلصُّحُفِ
وَتَنْطِقُ الْأَحْبَارُ بِالْأَلْحَانِ
.
دَهَانِي غِيَابٌ لَا يُبَيِّنُ مُرَادَهُ
فَأَضْحَى سُؤَالِي فِي ضُلُوعِي لَا يَبْرَحُ
.
فَمَا كُلُّ غَائِبٍ كَانَ يَنْوِي رَجْعَةً
وَلَا كُلُّ صَمْتٍ فِي الْمَوَدَّةِ لَهُ خَبَرٌ
.
وَهَلِ الْحَيَّةُ إِنْ عَزَفَ الْعَازِفُ لَهَا
تَرْقُصُ وَتُلْقِي مِنْ جَوَاهِرِهَا الذَّهَبَ
.
أَمْ أَنَّهَا تُخْفِي السُّمَّ بَيْنَ جَوَاهِرٍ
وَتَتْرُكُ لِلْعَيْنِ اللَّمَعَانَ وَلِلْقَلْبِ الْحَذَرَ
.
فَإِنْ رَمَتْ ذَهَبًا ثُمَّ وَلَّتْ إِلَى جُحْرِهَا
أَكَانَتْ أَمَانًا أَمْ تَهَيَّأَتْ لِلْغَدْرِ
.
وَهَلِ الذَّهَبُ إِنْ أَعْمَى الْعُيُونَ بَرِيقُهُ
يَكُونُ نَجَاةَ الْمَرْءِ أَمْ فِتْنَةَ الْبَصَرِ
.
وَأَخْشَى أَنْ أَشْرَبَ كَأْسًا فِيهِ مِنَ السُّمِّ مَا يَلْدَغُ
وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ لِلسُّمِّ كَأْسٌ لَا أَرَاهُ وَلَا يَنْكَسِرُ
.
وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ سُمُّ اشْتِيَاقٍ وَحُبٍّ
لَهُ مِنَ الْوَهْمِ فِي جَوْفِ الْفُؤَادِ مَوْضِعٌ
.
فَمَا الْحُبُّ إِلَّا نَصْلُ سَيْفٍ تُخْفِيهِ
غِلَالَةُ وَرْدٍ ثُمَّ يَظْهَرُ حِينَ يَنْكَسِرُ
.
أَأَشْتَاقُ لِلدَّهْرِ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا
أَمْ أَشْتَاقُ لِنَفْسِي حِينَ كَانَ لَهَا أَثَرٌ
.
أَمْ أَنَّنِي لَمَّا فَقَدْتُ بَعْضَ مَلَامِحِي
رَأَيْتُ وُجُوهَ الْأَمْسِ فِي كُلِّ مَنْظَرٍ
.
وَمَا الْبَحْرُ إِلَّا غَمْرَةٌ قَدْ غَرِقْتُ بِهَا
فَهَلْ يَرْجِعُ الْغَرِيقُ مِثْلَ الَّذِي نَظَرَ
.
وَهَلْ يَنْظُرُ الْمَنْظِرُ لِلْبَحْرِ مَرَّةً
كَنَظَرِ الَّذِي ذَاقَ الْغَرَقَ حِينَ انْغَدَرَ
.
فَيَا بَحْرُ قُلْ لِي مَا الَّذِي كُنْتَ تُخْفِيهِ
أَلُؤْلُؤٌ فِي أَعْمَاقِكَ أَمْ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ كَانَ هُوَ الْغَدْرِ
.
وَهَلْ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ مِنْ بَرِيقِهِ
ذَهَبٌ يَلُوحُ أَمْ مَكْرٌ يَتَلَبَّسُ
.
فَإِنْ رُمْتَ مِنْهُ الدَّرْبَ يَوْمًا لُؤْلُؤًا
فَهَلْ كُنْتَ تَدْرِي أَيَّ قَاعٍ سَتَلْمِسُ
.
أَأَحْسَبُ بَرْقَ اللَّيْلِ وَعْدًا لِرَاحِلٍ
أَمِ الْبَرْقُ نَابٌ قَدْ تَهَيَّأَ وَانْغَرَسَ
.
أَأَرْعَى سَرَابًا فِي الْفَلَاةِ كَأَنَّهُ
مَاءٌ إِذَا مَا دَنَوْتُ مِنْهُ انْدَرَسَ
.
.
https://animeista.com/post/490527
تكملة القصيدة
#حبر_المشاعر
#سل_قلمك
#حبر_وجيف


14
4 comentarios
