البارت 5
كان صباح اليوم التالي لحفلة الشتاء مختلفًا عن كل صباح مرّ على قصر آل آشفورد.
لم يكن الاختلاف في الطقس، ولا في الضباب الذي غطّى حدائق القصر حتى بدت الأشجار كأشباح صامتة خلف النوافذ العالية، بل في الهدوء الغريب الذي خيّم على المنزل.
هدوءٌ لم يكن مطمئنًا.
كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.
وفي الطابق العلوي، خلف باب غرفة إليانور، كانت العاصفة نفسها نائمة.
أو بالأحرى...
كانت تحاول النوم.
فتحت إليانور عينيها ببطء، وحدقت في السقف المزخرف فوقها، ثم سحبت الغطاء فوق رأسها عندما سمعت طرقًا متتابعًا على الباب.
ثلاث طرق.
ثم ثلاث أخرى.
قالت بصوت مكتوم:
— اذهبوا.
جاءها صوت خادمتها من خلف الباب:
— آنسة إليانور، والدك طلب حضورك إلى غرفة الإفطار.
سحبت الغطاء عن وجهها قليلًا.
— قولي له إنني مريضة.
ساد الصمت لحظة.
ثم جاء الرد:
— قال إنه يعرف أنك لست مريضة.
أغلقت إليانور عينيها.
— هذا الرجل يعرف كل شيء إلا كيف يكون أبًا طبيعيًا.
لم تسمع الخادمة الرد، لكنها تخيلت ابتسامتها الصغيرة خلف الباب.
نهضت أخيرًا من فراشها، ووقفت أمام المرآة.
كان شعرها الكستنائي الطويل قد انفلت من ضفيرته أثناء النوم، فانسدل على كتفيها وظهرها في فوضى ناعمة لم تكن تهتم بإصلاحها في تلك اللحظة.
كانت عيناها الخضراوان تحملان أثر ليلة لم تنم فيها جيدًا، ومع ذلك بقي في نظرتها ذلك التحدي الذي لم تستطع الأيام انتزاعه منها.
ارتدت ثوبًا صباحيًا بلون أزرق داكن، وربطت جزءًا من شعرها إلى الخلف، وتركت بقيته منسدلًا.
ثم نظرت إلى انعكاسها وقالت:
— لن يقتلني.
توقفت لحظة.
— غالبًا.
ثم فتحت الباب.
كانت غرفة الإفطار أكثر برودة من المعتاد.
جلس والدها، اللورد آشفورد، عند رأس الطاولة.
رجل شديد الهيبة، قليل الابتسام، كثير الانشغال. أمامه مجموعة من الأوراق والرسائل، وإلى جواره فنجان قهوة لم يلمسه.
رفع عينيه إليها.
لم يقل صباح الخير.
قال فقط:
— تأخرتِ.
جلست إليانور بهدوء.
— كنت نائمة.
— هذا واضح.
أخذت قطعة من الخبز.
— إذن لماذا استدعيتني؟
أعاد والدها نظره إلى الأوراق.
— لأنني أريدك أن تفهمي شيئًا.
رفعت حاجبًا.
— هذه بداية سيئة دائمًا.
توقف عن القراءة.
— إليانور.
— نعم؟
— ما حدث بالأمس يكفي.
توقفت يدها.
— ماذا حدث بالأمس؟
حدق بها.
— هذا بالضبط ما أعنيه.
ابتسمت ابتسامة بريئة.
— كنت مؤدبة جدًا.
— غادرتِ الصالون دون إذن.
— احتجت إلى الهواء.
— صعدتِ إلى الدرج الخلفي.
— كان أقرب إلى الحديقة.
— تحدثتِ مع أفراد من عائلة مونتغمري.
— لم يكن مكتوبًا على جباههم "ممنوع الحديث معنا".
— إليانور.
قالها هذه المرة بصرامة جعلتها تصمت.
ثم وضع الورقة أمامه.
— هناك حدود يجب ألا تتجاوزيها.
نظرت إلى الورقة ثم إليه.
— وهل تعرف ما مشكلتي مع الحدود؟
— أنك لا تحترمينها.
— لا.
رفعت عينيها إليه.
— أنكم تضعونها حولي ثم تتساءلون لماذا أكرهها.
ساد الصمت.
لثوانٍ، بدا وكأن والدها سيجيبها.
لكنه لم يفعل.
عاد إلى أوراقه.
وهذا كان أكثر ما يزعجها فيه.
لم يكن يصرخ.
لم يكن يضرب الطاولة.
لم يكن حتى يجادلها.
كان ببساطة يعود إلى عمله، وكأن وجودها في الغرفة أمر ثانوي يمكن تأجيله.
نهضت.
— هل انتهينا؟
قال دون أن يرفع رأسه:
— لم نبدأ أصلًا.
ضحكت بسخرية خفيفة.
— هذا أفضل ما سمعته منك منذ مدة.
ثم غادرت.
في الجهة الأخرى من لندن، كان إدوارد مونتغمري يجلس مع أصدقائه في غرفة مكتبه.
كان مختلفًا تمامًا عن الليلة السابقة.
شعره الداكن مرتب بعناية، وملامحه الهادئة جعلته يبدو أكثر جدية مما كان عليه في الحفل. كانت عيناه الرماديتان تتابعان حديث توماس، بينما جلس جيمس بالقرب من المدفأة، وهنري يقلب إحدى الصحف.
قال توماس:
— أعتقد أن الليلة الماضية كانت ناجحة.
رفع إدوارد عينيه.
— بأي معنى؟
— لم تحدث كارثة.
رفع هنري الصحيفة.
— باستثناء أن الآنسة آشفورد كادت تتسبب في كارثة.
ابتسم جيمس.
— "كادت" كلمة سخية.
نظر إدوارد إليهما.
— ماذا فعلت؟
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
قال توماس:
— ألم تكن هناك؟
— كنت هناك.
— إذن كيف لم تلاحظ؟
أجابه إدوارد ببرود:
— لأنني لم أكن أراقبها.
ابتسم جيمس.
— بالطبع.
رفع إدوارد حاجبه.
— ماذا؟
— لا شيء.
— جيمس.
— قلت لا شيء.
قبل أن يتطور النقاش، فُتح الباب.
دخل رجل لم يره الثلاثة من قبل.
كان طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي معطفًا أسود ثقيلًا، وقف بثبات جعل وجوده في الغرفة يبدو وكأنه أمر طبيعي رغم أن أحدًا لم يدعوه.
كان شعره أسود قاتمًا، مرتبًا دون مبالغة، وعيناه بلون أزرق رمادي بارد.
لم يتحدث.
نظر إلى إدوارد فقط.
ثم قال:
— تأخرت.
نهض إدوارد.
وللمرة الأولى منذ دقائق، ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهه.
— وأنت لم تتغير.
قال الرجل:
— أنت تغيرت.
— للأسوأ؟
— للأسف.
ضحك توماس.
— إذن أنت تعرفه.
التفت الرجل إليه.
— أعرفه منذ كان يظن أن القفز من فوق الأسوار فكرة جيدة.
قال إدوارد:
— كنت في الثانية عشرة.
— وما زلت أذكر أنك كسرت ذراعك.
— وأنت كنت السبب.
— لم أدفعك.
— ضحكت عندما سقطت.
— كنت أضحك على غبائك.
قال جيمس:
— أعتقد أنني أحب هذا الرجل.
رد الرجل دون أن ينظر إليه:
— لم أسألك.
سكت جيمس.
نظر توماس إلى هنري.
— أعتقد أنني أحبه أكثر.
أخيرًا قال إدوارد:
— أيها السادة، اسمحوا لي أن أعرّفكم إلى ألكسندر بلاكويل.
تغيرت ملامح توماس.
أما هنري فوضع الصحيفة ببطء.
كان الاسم معروفًا.
ليس في الأوساط الاجتماعية فقط.
بل في الأوساط السياسية.
ألكسندر لم يكن من عائلة إنجليزية.
كان من إمبراطورية تقع خلف البحر، إمبراطورية كانت علاقاتها ببلادهم على حافة الانفجار منذ سنوات.
ومع ذلك كان يقف الآن في غرفة إدوارد وكأنه لم يكن يحمل خلف اسمه تاريخًا من العداء بين دولتين.
قال ألكسندر:
— لا داعي لهذه الوجوه.
قال توماس:
— وجهك هو الذي يجعل الناس يصنعون هذه الوجوه.
نظر إليه ألكسندر.
— وأنت كثير الكلام.
— صحيح.
— لاحظت.
جلس ألكسندر.
أما إدوارد فقال:
— ما الذي جاء بك الآن؟
ساد الصمت.
رفع ألكسندر نظره إليه.
وقال......
يتبع....


5
1 yorum
