Evento: #بين_الخيال_والواقع
مَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ وَحْشًا
ثَمَّةَ حكاياتٌ لا تُروى لتُعرِّفنا بالشرّ، بل لتنتزع من أذهاننا اليقين السهل الذي اعتدناه عنه؛ فلا وحشٌ يخرج من العتمة مكتملَ الملامح، ولا قلبٌ يُغلق أبوابه دفعةً واحدة. وبين أول شرخٍ وآخر سقوط، مسافةٌ قد لا يلتفت إليها أحد.
في Monster، لا يبدأ الرعب من جريمة، وإنما من غرفةٍ بيضاءَ في مستشفى ألماني؛ حيث يقف الدكتور كينزو تينما أمام طفلٍ يحتضر، فيختار أن ينقذ حياته، غيرَ عابئٍ بمكانة المريض الآخر الذي كان ينتظر دوره. قرارٌ بدا آنذاك أقرب إلى أداء القسم منه إلى اختيارٍ سيغيّر وجه الحكاية.
كان اسم الطفل يوهان ليبرت.
ومع مرور الأعوام، يتبدّل معنى ذلك القرار في ذاكرة تينما؛ فالطفل الذي أنقذه لم يكبر كما يكبر الآخرون، وإنما ترك خلفه أثرًا باردًا يمتد من شخصٍ إلى آخر، حتى يغدو البحث عنه أشبه بالسير وراء شبحٍ لا يترك ظلًا.
لكن عظمة العمل لا تكمن في جعل يوهان مخيفًا؛ بل في رفضه أن يمنحنا إجابةً جاهزة عن مصدر خوفنا منه.
فيوهان لا يدخل المشهد بملامح شيطانية، ولا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يفرض حضوره. هدوؤه نفسه مقلق، وكأن الخراب قد تعلّم كيف يتكلم همسًا. وكلما انفتح بابٌ من ماضيه، لم نحصل على تفسيرٍ نهائي، بل على طبقةٍ أخرى من الأسئلة: عن طفولةٍ سُلبت منها براءتها، وعن ذاكرةٍ جرى العبث بها، وعن إنسانٍ أمكن أن تُعاد صياغته حتى صار لا يعرف أين تنتهي إرادته وأين تبدأ آثار ما زُرع فيه.
وهنا يتوارى السؤال الأثقل خلف الحكاية:
هل كان يوهان شرًّا مكتملًا منذ البداية، أم أن الطريق إليه كان يُمهَّد خطوةً بعد أخرى؟
لا يحاول Monster أن يجيب إجابةً مريحة؛ فهو لا يعفي الإنسان من تبعة اختياراته، ولا يسمح لنا في الوقت ذاته أن ننظر إلى النتيجة وكأنها ولدت بلا مقدّمات.
وهذه المنطقة الرمادية هي التي تجعل الحكاية تتجاوز حدودها.
فالواقع أيضًا مليءٌ بأشخاصٍ نلتقي بهم عند آخر الصفحة، ثم نحاكم الكتاب كله من سطره الأخير. نرى فظاظة أحدهم، انغلاق آخر، عدوانية ثالث، فنمنح كلًّا منهم صفةً تختصره، ثم نمضي؛ وكأن الإنسان لا يحمل وراء سلوكه تاريخًا، ولا تتراكم في داخله أشياء لا تظهر على السطح.
لكنّ معرفة الجذور لا تعني تقديس الثمار.
فقد يكون للماضي سلطانٌ على تشكيل الإنسان، لكنه لا يمتلك دائمًا الكلمة الأخيرة في تحديد ما سيصير إليه. الألم يفسّر بعض الانكسارات، لكنه لا يحوّل الخطأ إلى صواب، والظروف قد تضيّق الطريق، لكنها لا تمحو المسؤولية عن كل خطوةٍ تُتخذ فيه.
وهنا تحديدًا تتجلى براعة Monster؛ إذ يضعنا أمام مفارقةٍ لا يمكن حسمها بسهولة: قد يكون الإنسان ضحيةً لما صُنع به، ثم يصبح في لحظةٍ ما مسؤولًا عمّا يصنعه بالآخرين.
ولعلّ أكثر ما يبعث على القلق أن الشرّ لا يحتاج دائمًا إلى بيئةٍ صاخبة كي ينمو. قد يتخفّى في الإهمال، في الإذلال المتكرر، في حرمان الطفل من الشعور بالأمان، في جعله تؤمن أن قيمته لا تُمنح إلا إذا أثبت استحقاقه لها. وقد يكبر الجرح بصمتٍ حتى يتعلم صاحبه كيف يعيش معه، ثم كيف ينقله إلى غيره.
ومع ذلك، ليس كل من عبر العتمة صار عتمة.
هناك من يحمل ندوبه دون أن يجعلها سكينًا في يد أحد، ومن يتلقى القسوة ثم يختار ألا يورّثها.
ولهذا فإن اختزال الإنسان في ماضيه ظلمٌ من نوع آخر؛ إذ يجعل منه أسيرًا لسيرةٍ لم يختر بدايتها، ويحجب عنه إمكانية أن يكتب فصلًا مغايرًا.
من هنا يصبح يوهان أكثر من شخصيةٍ داخل حبكة؛ يصبح احتمالًا إنسانيًا شديد القتامة، وسؤالًا معلّقًا حول الحدود الفاصلة بين ما نُلقّنه، وما نعيشه، وما نختاره.
وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم:
«هل يُولد الوحش أم يُصنع؟»
بل:
«متى يفوتنا الوقت الذي كان يمكن فيه إنقاذ الإنسان قبل أن نضطر إلى الخوف منه؟»
فثمة أشياء لا تُسمع حين تبدأ؛ شرخٌ خافت في الروح، نظرةٌ فقدت بريقها، طفلٌ تعلّم مبكرًا أن الصمت أكثر أمانًا من الكلام... ثم تمضي السنوات، ويأتي الجميع متأخرين إلى المشهد، يبحثون عن اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء.
وربما لم تكن هناك لحظة واحدة.
ربما كان التحوّل يحدث ببطءٍ بالغ، حتى إن أحدًا لم يلحظ أن الطفل الذي كان ينتظر يدًا تمتد إليه، صار يومًا ما هو اليد التي يخشاها الجميع.
وهكذا يتركنا Monster أمام مرآةٍ لا تُرينا الوحش وحده؛ بل تُرينا المسافة التي قطعها الإنسان حتى صار كذلك... وتترك في الزجاج سؤالًا لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه:
مَن الذي كان يمكن أن يكونه، لو أن أحدًا رأى البداية؟
!(#Animeista)
#Luna_Artix
──────────
!(#سل_قلمك)
#محبرة_كاتب
!(#كتابات_luna_artix )
!(_) #فعاليات_animeista
!(_) #بين_الخيال_والواقع


40
12 comentarios
